بينما بدأت عواصم كبرى تدرك أن مفتاح الاستقرار العالمي يمر حتماً عبر التفاهم مع طهران، خرجت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين من برلين لتقطع الطريق أمام أي بوادر تهدئة، واصفة الحديث عن رفع العقوبات بأنه "سابق لأوانه".
هذا الموقف الصارم، الذي يبدو في ظاهره قوة، يخفي في طياته قلقاً أوروبياً عميقاً من تنامي النفوذ الإيراني وقدرة طهران على تحويل "مضيق هرمز" إلى ورقة ضغط استراتيجية لا يمكن تجاوزها.
إن الصدام العلني بين فون دير لاين وطروحات المستشار الألماني فريدريش ميرز، الداعية للمقايضة، يكشف عن تصدع في جدار الإجماع الأوروبي، حيث باتت بعض القوى الواقعية في القارة تدرك أن سياسة العزل لم تحقق أهدافها، وأن إيران اليوم، بحرسها الثوري وقدراتها الميدانية، هي من يضع شروط "الانفراجة الدبلوماسية" وليس بروكسل.
التخبط الأوروبي: صراع بين الواقعية السياسية والجمود الأيديولوجي
تعكس انتقادات فون دير لاين للمستشار الألماني فريدريش ميرز حالة من الانقسام الداخلي داخل الاتحاد الأوروبي؛ فميرز، الذي يمثل المصالح الاقتصادية والواقعية السياسية، يدرك أن استقرار الطاقة العالمي مرتبط بشكل عضوي بفتح القنوات مع طهران وتأمين مضيق هرمز.
وفي المقابل، تحاول رئيسة المفوضية التمسك بخطاب "تغيير السلوك"، وهو خطاب أثبتت السنوات العشر الماضية فشله أمام "الاقتدار الإيراني".
إن رفض بروكسل لمبدأ المقايضة يعني أن أوروبا لا تزال تعيش في جلباب الضغوط الأمريكية القديمة، متجاهلة أن طهران قد طورت بدائل اقتصادية وتجارية جعلت من العقوبات الأوروبية الممتدة حتى 2027 مجرد أرقام على ورق لا تؤثر في جوهر السيادة الإيرانية.
مضيق هرمز: الورقة التي أفقدت بروكسل توازنها
لم يأتِ ذكر "مضيق هرمز" في تصريحات فون دير لاين من فراغ، بل هو اعتراف ضمني بأن هذا الممر الحيوي يمثل "الخاصرة الرخوة" للاقتصاد الأوروبي وإن محاولة تصوير إيران كدولة "تقمع شعبها" ليست سوى غطاء أخلاقي لمحاولة انتزاع تنازلات أمنية في المضيق دون تقديم أثمان اقتصادية حقيقية.
إن طهران، التي ترفض الإملاءات، أكدت مراراً أن أمن الملاحة مرتبط برفع المظالم الاقتصادية والاعتراف بحقوقها المشروعة. وبالتوازي مع ذلك، فإن إدراج الحرس الثوري على قائمة الإرهاب في فبراير الماضي لم يزد هذه القوة إلا إصراراً على حماية المياه الإقليمية، مما جعل بروكسل تجد نفسها في مأزق: فهي تريد النفط والأمن، لكنها ترفض دفع فاتورة الدبلوماسية الندية.
تمديد العقوبات لعام 2027: اعتراف بالعجز لا بالقوة
إن قرار الاتحاد الأوروبي تمديد العمل بالعقوبات لسنوات قادمة يكشف عن إفلاس في الحلول الدبلوماسية. فبدلاً من البحث عن نقاط التقاء تخدم مصالح الشعوب الأوروبية التي تعاني من أزمات الطاقة، اختارت المفوضية الهروب إلى الأمام عبر التصعيد القانوني. هذا النهج يخدم الرؤية الإيرانية التي تدعو للاعتماد على الذات والتوجه شرقاً؛ فكلما زاد التعنت الأوروبي، زادت إيران من وتيرة تعاونها الاستراتيجي مع القوى الصاعدة مثل الصين وروسيا.
إن فون دير لاين، بزيارتها لبرلين واجتماعها مع الأحزاب المسيحية، تحاول حشد زخم سياسي لسياسة "الضغوط القصوى" التي بدأت واشنطن نفسها تلمح إلى إمكانية التخلي عنها، مما يضع أوروبا في عزلة دبلوماسية بعيداً عن الواقع الجيوسياسي الجديد.
إن إصرار فون دير لاين على "تحول شامل في السلوك الإيراني" كشرط للانفراجة هو شرط تعجيزي يهدف لعرقلة أي تقارب حقيقي. ومع ذلك، فإن القوة الإيرانية المتنامية في الملفات الإقليمية، بدءاً من الضفة الغربية وصولاً إلى أمن البحار، تجعل من الشروط الأوروبية مجرد تصريحات للاستهلاك الإعلامي.
إن إيران اليوم لا تنتظر "إذناً" من بروكسل لتطوير سياساتها، بل هي من يرسم ملامح المنطقة. وإذا استمرت المفوضية الأوروبية في نهجها الحالي، فإنها ستجد نفسها خارج دائرة التأثير في "الاتفاقات الكبرى" التي قد تُبرم مستقبلاً، حيث ستكون السيادة الإيرانية هي الركيزة الأساسية لأي معادلة أمنية أو اقتصادية في الشرق الأوسط.










