تعيش الساحة السياسية في إسرائيل حالة غير مسبوقة من الارتباك، حيث تتقاطع تداعيات الحرب مع أزمات داخلية متراكمة، لتضع مستقبل الحكومة بقيادة بنيامين نتنياهو أمام اختبار حقيقي، فمع تصاعد الضغوط العسكرية والاقتصادية، يعود الحديث مجددًا عن سيناريو إسقاط الحكومة، وسط تحركات معارضة يقودها كل من نفتالي بينيت ويائير لابيد، في محاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي من جديد.
فرص السقوط
تبدو فرص إسقاط الحكومة مرتبطة بشكل مباشر بمدى تماسك الائتلاف الحاكم، الذي يعاني بالفعل من تناقضات أيديولوجية حادة وضغوط داخلية متزايدة. فالحرب، التي كان يُفترض أن تعزز موقع القيادة السياسية، تحولت إلى عامل استنزاف، خاصة مع تصاعد الانتقادات بشأن إدارة العمليات العسكرية وتداعياتها على الأمن الداخلي.
في هذا السياق، يسعى معسكر المعارضة إلى استثمار حالة الغضب داخل المؤسسة السياسية، عبر إعادة بناء تحالفات قادرة على حجب الثقة عن الحكومة. ورغم أن الأرقام داخل الكنيست لا تزال معقدة، فإن التحركات التي يقودها بينيت ولابيد تشير إلى وجود إدراك متزايد بأن لحظة التغيير قد تكون أقرب مما تبدو عليه، خصوصًا إذا استمرت الانقسامات داخل الائتلاف الحاكم في التوسع.
ارتدادات الحرب
لم تحقق الحرب الأهداف السياسية التي رُوّج لها داخليًا، بل على العكس، كشفت عن فجوات عميقة في منظومة اتخاذ القرار، وأعادت طرح تساؤلات حول كفاءة القيادة الحالية. فالتكلفة البشرية والاقتصادية المرتفعة، إلى جانب الفشل في تحقيق حسم سريع، أسهمت في تقويض صورة الحكومة أمام الرأي العام.
كما أن استمرار العمليات العسكرية منذ أكتوبر 2023، وما رافقها من مجازر بحق الفلسطينيين في غزة، ألقى بظلال ثقيلة على الداخل الإسرائيلي، ليس فقط من زاوية الأخلاق السياسية، بل أيضًا من حيث العزلة الدولية المتزايدة. ووفقًا لتقارير إعلامية غربية، فإن الدعم الأمريكي—بقيادة الرئيس الحالي دونالد ترامب—لا يزال حاضرًا، لكنه لم يعد كافيًا لاحتواء التصدعات الداخلية أو منع تآكل الشرعية السياسية للحكومة.
الشارع الغاضب
على مستوى الشارع، تتصاعد حالة من الغضب وعدم الثقة، حيث خرجت احتجاجات متكررة تطالب بمحاسبة الحكومة على إخفاقاتها، سواء في إدارة الحرب أو في التعامل مع تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية. هذه الاحتجاجات، التي يقودها في كثير من الأحيان أهالي الجنود والرهائن، تعكس تحولًا مهمًا في المزاج العام، من دعم مشروط إلى مساءلة مفتوحة.
ورغم أن المجتمع الإسرائيلي غالبًا ما يميل إلى التماسك في أوقات الحرب، فإن طول أمد الصراع وغياب أفق واضح للنهاية ساهما في تآكل هذا التماسك تدريجيًا. ومع استمرار الضغوط، قد يتحول الشارع إلى عامل حاسم في إعادة تشكيل المشهد السياسي، خاصة إذا تزامن مع تحركات فعالة داخل الكنيست لإسقاط الحكومة.
مشهد مفتوح
في ظل هذه المعطيات، تبدو إسرائيل أمام مفترق طرق حاسم، حيث لم يعد بقاء الحكومة مسألة محسومة، بل بات مرتبطًا بتوازن دقيق بين تطورات الميدان وضغوط الداخل. وبينما يحاول نتنياهو الحفاظ على موقعه عبر إدارة الأزمة، تعمل المعارضة على تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة رسم الخريطة السياسية.
المعادلة تبدو معقدة، لكن المؤكد أن ما بعد هذه الحرب لن يكون كما قبلها، وأن الداخل الإسرائيلي، الذي طالما بدا متماسكًا، أصبح اليوم ساحة مفتوحة لصراع سياسي قد ينتهي بإسقاط أحد أكثر الحكومات إثارة للجدل في تاريخ إسرائيل.







