20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سباق نحو المجهول.. لماذا يقفز الإنفاق العسكري العالمي إلى أعلى مستوياته منذ 2009؟

في لحظة دولية مشحونة بالتوتر، تكشف الأرقام عن تحوّل عميق في أولويات العالم، فقد بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.89 تريليون دولار في عام 2025، مسجلًا زيادة جديدة للعام الحادي عشر على التوالي، وهو أعلى مستوى يُسجل من حيث نسبته إلى الاقتصاد العالمي منذ عام 2009.

بقلم: محمد أبو غالي
٢٧ أبريل ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
10 مشاهدة
سباق نحو المجهول.. لماذا يقفز الإنفاق العسكري العالمي إلى أعلى مستوياته منذ 2009؟الامريكي

سباق نحو المجهول.. لماذا يقفز الإنفاق العسكري العالمي إلى أعلى مستوياته منذ 2009؟الامريكي

في لحظة دولية مشحونة بالتوتر، تكشف الأرقام عن تحوّل عميق في أولويات العالم، فقد بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.89 تريليون دولار في عام 2025، مسجلًا زيادة جديدة للعام الحادي عشر على التوالي، وهو أعلى مستوى يُسجل من حيث نسبته إلى الاقتصاد العالمي منذ عام 2009.

هذا الارتفاع لا يعكس مجرد نمو اقتصادي أو تحديث دفاعي، بل يشير إلى شعور متزايد بانعدام الأمن العالمي. فحصة الإنفاق العسكري من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وصلت إلى 2.5%، وهو رقم يحمل دلالة واضحة: الدول لم تعد تنظر إلى الحرب كاحتمال بعيد، بل كخطر قائم يستدعي الاستعداد.

عالم يعيد التسلح
اللافت أن هذا التصاعد يأتي في سياق إعادة تسلح واسعة النطاق، خاصة في أوروبا وآسيا. فالقارة الأوروبية وحدها سجلت زيادة بنحو 14% في الإنفاق العسكري خلال عام واحد، مدفوعة بالحرب المستمرة في أوكرانيا، ومخاوف من تراجع الالتزام الأمريكي تجاه حلفائه، خصوصًا في ظل سياسات الرئيس الحالي دونالد ترامب الذي ضغط مرارًا لرفع مساهمات الحلفاء العسكرية.

وفي آسيا، ارتفع الإنفاق بنسبة 8.1%، وهو أعلى معدل نمو منذ 2009، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، خاصة حول الصين وتايوان، وتزايد سباق التسلح البحري والجوي. هذه المؤشرات تكشف أن العالم لا يشهد أزمة واحدة، بل سلسلة أزمات متداخلة تدفع الجميع نحو خيار واحد: التسلح.

قوى كبرى تقود السباق
رغم اتساع دائرة الإنفاق، تظل القوى الكبرى في قلب هذا المشهد. الولايات المتحدة، والصين، وروسيا وحدها تستحوذ على أكثر من نصف الإنفاق العسكري العالمي، بما يعكس استمرار هيمنة القوى التقليدية على بنية النظام الدولي.

ورغم تسجيل تراجع نسبي في الإنفاق الأمريكي خلال 2025 بسبب وقف بعض المساعدات العسكرية، فإن التوقعات تشير إلى عودة الارتفاع سريعًا، مع احتمالات تجاوز الإنفاق حاجز التريليون دولار في السنوات المقبلة. هذا التذبذب لا يعكس تراجعًا استراتيجيًا، بل إعادة ترتيب أولويات مؤقتة ضمن رؤية أوسع لتعزيز القدرات العسكرية.

اقتصاد الحرب يتوسع

اللافت أن هذا التصاعد في الإنفاق يتزامن مع ازدهار غير مسبوق في صناعة السلاح عالميًا. فالشركات العسكرية الكبرى تحقق أرباحًا قياسية، مدفوعة بزيادة الطلب من الحكومات التي تسعى لتحديث جيوشها وتعزيز مخزوناتها.

وبحسب تقارير دولية، فإن هذا الاتجاه يعكس تحولًا تدريجيًا نحو "اقتصاد حرب"، حيث تصبح الصناعات العسكرية جزءًا أساسيًا من النمو الاقتصادي في بعض الدول، ما يخلق حلقة معقدة: التوترات ترفع الإنفاق، والإنفاق يعزز مصالح اقتصادية تدفع نحو مزيد من التوتر.

الشرق الأوسط بين الثبات والانفجار

في الشرق الأوسط، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فرغم أن إجمالي الإنفاق لم يشهد قفزات حادة مقارنة بأوروبا وآسيا، فإن المنطقة تظل إحدى بؤر التوتر الرئيسية، خاصة في ظل الحرب الإسرائيلية على غزة منذ أكتوبر 2023، والتي كشفت حجم الاعتماد العسكري الإسرائيلي على الدعم الأمريكي المباشر.

ورغم تسجيل بعض التراجع النسبي في الإنفاق الإسرائيلي خلال 2025، فإن مستواه لا يزال أعلى بكثير مما كان عليه قبل الحرب، ما يعكس طبيعة الصراع الممتد، واستمرار الاستعداد لمواجهات جديدة.

مستقبل مفتوح على التصعيد
المؤشرات الحالية لا توحي بتهدئة قريبة، بل بالعكس، تشير إلى أن العالم يدخل مرحلة جديدة من الاستقطاب العسكري. فاستمرار الحروب، وتزايد التوترات، وتراجع الثقة بين القوى الكبرى، كلها عوامل تدفع نحو مزيد من الإنفاق، وربما نحو صدامات أوسع.

وبحسب تقديرات معاهد بحثية، فإن هذا الاتجاه مرشح للاستمرار خلال السنوات المقبلة، مع تحول الإنفاق العسكري من استجابة مؤقتة للأزمات، إلى سياسة دائمة تعكس بنية عالم أكثر اضطرابًا.

في هذا السياق، لا تبدو الأرقام مجرد إحصاءات اقتصادية، بل إشارات تحذير واضحة: العالم لا يستعد للسلام، بل يعيد ترتيب نفسه على إيقاع احتمال الحرب.

محمد أبو غالي

صحفي بموقع 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال