كشفت معلومات جديدة نقلتها وسائل إعلام أمريكية عن مسؤولين، تفاصيل المقترح الإيراني الجديد الذي قدمته طهران لواشنطن لإنهاء الحرب المستعرة بين الجانبين. وهذا المقترح ما زالت الإدارة الأمريكية تدرسه بعناية، وسط انقسامات حول مدى قبوله أو رفضه. فقد نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين مطلعين أن المقترح الإيراني يطرح رؤية لخطة سلام مؤلفة من 3 مراحل متتالية.
وتقضي المرحلة الأولى بأن تنهي الولايات المتحدة وإسرائيل عدوانهما على إيران بشكل كامل وفوري. وذلك مع تقديم ضمانات ملزمة بعدم استئنافها مستقبلاً تحت أي ظرف من الظروف. ووفقاً لمصادر الصحيفة، فإن المقترح قدمه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مطلع الأسبوع الجاري. ويهدف هذا المقترح إلى كسر حالة الجمود في الصراع الذي طال أمده، والدفع بعجلة المفاوضات المتعثرة نحو الأمام.
وبموجب هذا المقترح الجديد، سيتم تأجيل النقاشات المتعلقة ببرنامج إيران النووي إلى مرحلة لاحقة تماماً. وهذا الشرط يعتبر نقطة الخلاف الأساسية مع واشنطن التي تصر على معالجة الملف النووي أولاً. كما عرضت إيران وقف هجماتها في مضيق هرمز مقابل إنهاء شامل للحرب ورفع الحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية. وهذا التبادل يشكل جوهر المقترح الإيراني.
تفاصيل المراحل
اقترحت طهران في مرحلتها الثانية أن يتولى الوسطاء الدوليون معالجة قضية إغلاق مضيق هرمز بشكل منفصل. وطلبوا من الوسطاء المساعدة في التوصل إلى اتفاق شامل بشأن إدارة هذا الممر المائي الحيوي. كما أبلغ المسؤولون الإيرانيون الوسطاء بأن طهران لا تزال تطمح إلى إبقاء المضيق تحت سيطرتها بشكل أو بآخر. وأكدوا أن ذلك حق سيادي لإيران لا يمكن التفريط فيه.
وأوضح المقترح أنه بمجرد تحقيق اتفاق حول إدارة المضيق وفتحه أمام الملاحة الدولية، ستشرع إيران في مرحلة ثالثة. وستبدأ طهران عندها بإجراء مفاوضات جادة بشأن برنامجها النووي وقضايا أخرى عالقة. ومن بين هذه القضايا، تمويل إيران للفصائل الموالية لها في المنطقة العربية. وهذه المرحلة الثالثة تعتبر الأكثر تعقيداً والأبعد في الجدول الزمني للمقترح.
وتشير تقارير داخلية إلى أن هذا المقترح قوبل ببرود شديد من قبل الإدارة الأمريكية. فقد نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مصادر أن الرئيس ترامب أبلغ مستشاريه بعدم رضاه عن مقترح طهران بتاتاً. ويرى ترامب أن قبول هذا المقترح قد يحرمه من تحقيق نصر واضح في الحرب التي بدأها. كما يعتقد أن المقترح يمثل محاولة إيرانية للمماطلة وكسب الوقت الثمين.
موقف أمريكي
نقلت شبكة "سي إن إن" الأمريكية عن مصدرين مطلعين أن ترامب طرح وجهات نظره خلال اجتماعه مع كبار مسؤولي الأمن القومي. وكان الاجتماع مخصصاً لمناقشة الملف الإيراني بعد تلقيه المقترح الإيراني الجديد. وأكد مصدر آخر للشبكة أنه "من غير المرجَّح أن يقبل ترامب هذا المقترح" بأي شكل من الأشكال. واعتبر المسؤولون الأمريكيون أن إعادة فتح مضيق هرمز فقط، دون تسوية مسائل التخصيب النووي، قد تُفقد واشنطن أداة ضغط أساسية في المفاوضات.
بدورها، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول أمريكي قوله إن الرئيس ترامب غير راضٍ عن المقترح الإيراني. والسبب الرئيسي هو أنه لا يتناول البرنامج النووي الإيراني على الإطلاق. وأشار المصدر إلى أن ترامب ناقش المقترح مطولاً مع كبار مستشاريه للأمن القومي. وخرج الاجتماع بقناعة بأن المقترح غير كافٍ وغير جاد.
وبحسب ما نقلته "سي إن إن" عن مصادرها، فإن المحادثات الجارية تتركز حالياً على التوصل إلى اتفاق مرحلي فقط. وسيركز الجزء الأول من أي اتفاق محتمل على العودة إلى الوضع القائم قبل الحرب ببساطة. وأضافت الشبكة أن الوسطاء الدوليين يمارسون ضغوطاً هائلة على الجانبين. ويعتبر الوسطاء أن الأيام القليلة المقبلة حاسمة للغاية لمسار الجهود الدبلوماسية. وأوضحت المصادر أن واشنطن وطهران ليستا متباعدتين في مواقفهما كما قد يبدو للوهلة الأولى. وذلك رغم عدم عقد جولة ثانية من المحادثات المباشرة بينهما في باكستان حتى الآن.
عقبة نووية
صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز"، بأن القضية الأساسية لا تزال تتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي. وكان روبيو يرد على سؤال حول المقترح الإيراني الأخير الذي يقضي بتأجيل مناقشات البرنامج النووي مقابل فتح مضيق هرمز. وقال روبيو: "لا يساورني شك في أنه في مرحلة ما من المستقبل، وإذا ظل هذا النظام الديني المتشدد في السلطة، فإنه سيقرر السعي لامتلاك سلاح نووي". وأضاف أن هذه القضية الجوهرية لا تزال بحاجة إلى مواجهة، فهي الأساس في أي تفاهم.
وعند سؤاله عما إذا كان يعتقد أن الإيرانيين جادون في التوصل إلى اتفاق، كان رد روبيو حاسماً. فقد وصف الإيرانيين بأنهم مفاوضون بارعون يسعون للمماطلة وكسب الوقت فقط. وأضاف: "لا يمكننا السماح لهم بالإفلات بذلك، يجب أن نضمن أن أي اتفاق يتم التوصل إليه هو اتفاق يمنعهم بشكل حاسم من الاندفاع نحو امتلاك سلاح نووي في أي وقت". وهذه التصريحات تضعف آمال التوصل إلى اتفاق قريب.
وكانت صحيفة نيويورك تايمز قد نقلت عن مسؤولين إيرانيين مطلعين أن عراقجي سلّم المقترح الجديد إلى الوسطاء الباكستانيين. وجاء ذلك بعد أن رفض الرئيس ترامب مقترحاً أولياً في اليوم السابق بشكل قاطع. وأضافت الصحيفة أن إيران أوضحت في مقترحها الجديد عزمها استثمار مضيق هرمز مالياً بعد فتحه. وذلك عبر فرض رسوم عبور مناسبة أو تقديم خدمات مدفوعة لناقلات النفط.
قلق إيراني
قال مسؤولون إيرانيون للصحيفة إن طهران ترغب بشدة في العودة إلى المفاوضات مع واشنطن. والسبب هو أن الوضع الحالي ببساطة أصبح غير قابل للاستمرار لأكثر من أسابيع قليلة. لكنهم اشترطوا أن يكون ذلك بعد رفع الحصار البحري أولاً. وأشار المسؤولون إلى وجود مخاوف جدية من نفاد مخزونات المواد الغذائية الأساسية خلال أسابيع قليلة جداً. وهذا الهاجس الإنساني والاقتصادي هو ما يدفع طهران لتقديم تنازلات.
كما أفاد المسؤولون بأن الحكومة الإيرانية بدأت بالفعل في تنفيذ خطط طوارئ تعتمد طرقاً بديلة. ومن بين هذه الخطط، نقل البضائع بالشاحنات عبر باكستان وتركيا. كما يتم شحن كميات أصغر من المواد الغذائية والدواء من روسيا عبر بحر قزوين. لكن هذه البدائل مكلفة وغير كافية لتلبية احتياجات البلاد بالكامل.
يذكر أن الولايات المتحدة تفرض حصاراً بحرياً مشدداً على الموانئ الإيرانية منذ الثالث عشر من شهر أبريل الجاري. ويهدف هذا الحصار إلى الضغط على طهران لتقديم تنازلات في المفاوضات النووية والعسكرية. وقد أدى هذا الحصار إلى انهيار المحادثات بين الجانبين بشكل كامل. ويعيش الشعب الإيراني اليوم تحت وطأة هذا الحصار الذي يهدد أمنه الغذائي والدوائي.










