20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

غزة بعد الحرب: حين يتحول العجز إلى خطر مستتر

لم يعد الحديث عن غزة حاضرًا كما كان من قبل، إذ تحوّلت الأنظار إلى جبهات أخرى أكثر اشتعالًا في المشهد الإقليمي. تراجع عدد الحوادث في الجنوب، وعاد المختطفون إمّا إلى منازلهم أو دُفنوا في مقابرهم داخل إسرائيل

بقلم: أخبار ومتابعات
٢٩ أبريل ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
24 مشاهدة
غزة

غزة

لم يعد الحديث عن غزة حاضرًا كما كان من قبل، إذ تحوّلت الأنظار إلى جبهات أخرى أكثر اشتعالًا في المشهد الإقليمي. تراجع عدد الحوادث في الجنوب، وعاد المختطفون إمّا إلى منازلهم أو دُفنوا في مقابرهم داخل إسرائيل، بينما خفتت وتيرة المظاهرات بشكل ملحوظ. حتى التحركات السياسية المرتبطة بما يُسمّى مجلس السلام باتت تُدار في إطار دبلوماسية هادئة، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، وكأن التوقيت الحالي يسمح بتمريرها دون إثارة الانتباه.

وقال غادي عزرا بصحيفة  «يديعوت» ، في المقابل، يحافظ الأمريكيون على حالة من الهدوء الحذر، مع بقاء إيران في صدارة أولوياتهم الاستراتيجية. أما على المستوى الداخلي، فيبدو أن حالة الإرهاق الجماعي قد سيطرت على المجتمع الإسرائيلي، حيث ساد شعور عام بالتعب من متابعة تفاصيل المشهد في غزة، بكل ما يحمله من تعقيدات عسكرية وإنسانية وسياسية متشابكة.

إرهاق جماعي

هذا الإرهاق لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة التراكم المستمر لملفات ثقيلة، بدءًا من التعامل مع «حماس» وامتداداتها الميدانية في مناطق مثل جباليا، وصولًا إلى متابعة نشاط جناحها العسكري. يضاف إلى ذلك الجدل المستمر حول المساعدات الإنسانية، وحملات مكافحة الجوع، والاتهامات الدولية المتعلقة بالإبادة الجماعية، إلى جانب قضايا «الأونروا» وما يرتبط بها من سجالات سياسية.

كل هذه العوامل، وفق النص، خلقت حالة من الصدمة الجماعية التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي، ما دفع كثيرين إلى الرغبة في إغلاق ملف غزة بالكامل، والتوجه نحو استئناف الحياة الطبيعية، حتى لو كان ذلك مجرد استراحة تسبق جولة صراع جديدة. الأهم بالنسبة لهم أن يكون الصراع المقبل مختلفًا جذريًا عن التجربة الحالية.

واقع لم يتغير

على الرغم من هذه الرغبة في التجاوز، فإن الواقع على الأرض لم يتغير جذريًا. لا تزال غزة قائمة، ولا تزال «حماس» حاضرة بقوة. وإذا كان الهدف المعلن للحرب منذ بدايتها هو تفكيك الحركة، فإن هذا الهدف لم يتحقق حتى الآن، بل يبدو بعيد المنال وفقًا لما يطرحه الكاتب.

بل إن المعطيات تشير إلى أن «حماس» كثّفت من عملياتها في الفترة الأخيرة، في ظل تراجع العمليات العسكرية الإسرائيلية المباشرة. وبدلًا من المواجهة المفتوحة، برزت أنماط جديدة من السيطرة، تقوم على إعادة التسلح وفرض النفوذ داخل مساحة جغرافية أصغر، لكنها أكثر كثافة سكانية.

سيطرة متزايدة

هذا التحول يقدمه الكاتب بوصفه مفارقة لافتة؛ فالمساحة الجغرافية المحدودة التي تسيطر عليها «حماس» قد تتحول إلى ميزة، لا إلى عبء. إذ إن تقليص المساحة يعني، من وجهة نظره، قدرة أكبر على التحكم بالسكان، سواء على مستوى الرأي العام أو على مستوى الحراك الداخلي.

ويضيف أن هذا الواقع يسهّل عمليات تجنيد عناصر جديدة، ويجعل من السهل مراقبة أي تحركات احتجاجية أو انتفاضات محتملة، فضلًا عن إحكام السيطرة على تدفق المساعدات الإنسانية. وهنا يبرز عنصر أساسي في تحليل الكاتب، وهو أن السيطرة لا تُمارس فقط عبر السلاح، بل أيضًا عبر إدارة الموارد.

اقتصاد المساعدات

وفقًا لما يورده النص، فقد دخل إلى غزة منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار ما يقارب 600 شاحنة يوميًا، محملة بكميات ضخمة من الإمدادات. وتشمل هذه الإمدادات أكثر من 1.5 مليون طن من المواد الغذائية، و650 ألف خيمة، و70 ألف طن من مستلزمات النظافة، و12.5 ألف طن من المعدات الطبية، إلى جانب آلاف الشاحنات التي حملت مستلزمات فصل الشتاء.

ويشير الكاتب إلى أن هذه الأرقام منشورة عبر منصات مكتب الارتباط الحكومي، وأن حجمها الكبير ليس عشوائيًا، بل يعادل أربعة أضعاف ما توصي به الأمم المتحدة. كما يلفت إلى أن الجزء الأكبر من هذه الإمدادات يأتي عبر القطاع الخاص، وليس فقط من خلال القنوات الرسمية.

لكن هذا التدفق، بحسب الطرح ذاته، لا يعني بالضرورة تحسن الأوضاع الإنسانية، إذ يتهم «حماس» بالاستيلاء على جزء من هذه المساعدات أو فرض ضرائب مرتفعة عليها، في ظل غياب آلية رقابة فعالة تمنع تفاقم هذا الوضع.

غياب الرقابة

في هذا السياق، ينتقد الكاتب ما يراه غيابًا للرقابة الدولية الفعالة، مشيرًا إلى أن دولًا مثل تركيا وقطر تتابع المشهد دون تدخل حقيقي للحد مما يصفه بتمدد «حماس». كما يلفت إلى أن الحديث عن جهود مكافحة “التطرف” يبدو غائبًا أو غير مطروح بجدية في هذا الإطار.

هذا الطرح يعكس زاوية نظر إسرائيلية تتجاهل في المقابل السياق الأوسع، حيث تشير تقارير دولية متعددة إلى أن قطاع غزة يعاني من دمار واسع النطاق منذ أكتوبر 2023، نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية، التي أسفرت عن سقوط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين، وفقًا لتقارير صادرة عن منظمات أممية وحقوقية.

إنذار مبكر

يؤكد الكاتب أن حديثه لا يندرج ضمن المتابعة الدورية لملف غزة، بل يقدمه كجرس إنذار. فغزة، في نظره، تمثل نموذجًا للعمليات التي تقودها إسرائيل، أو تحاول قيادتها، وتعكس قدرتها على الحفاظ على التركيز في القضايا الأمنية الكبرى.

كما يرى أنها تكشف حدود القوة الإسرائيلية، وتوضح الفجوة بين الوعود والنتائج الفعلية، مشددًا على أن الحكمة لا تكمن في إطلاق العمليات العسكرية بزخم إعلامي كبير، بل في القدرة على إنهائها بشكل ناجح ومستقر.

نمط متكرر

ويُسقط الكاتب هذا الاستنتاج على ملفات أخرى، مثل التعامل مع «حزب الله» وإيران، إضافة إلى قضايا داخلية مثل عنف المستوطنين (الذي يشير إليه بـ"الفتيان")، ومسألة تجنيد اليهود المتشددين. ويرى أن الفشل في غزة قد يتحول إلى نمط يتكرر في هذه الملفات إذا لم يتم التعامل معه بجدية.

بعد مرور عامين على الحرب في غزة، لم يعد الوضع، وفقًا للنص، مجرد إخفاق عابر، بل أصبح خطرًا حقيقيًا قد يمتد تأثيره إلى ساحات أخرى. ويضيف أن تجاهل هذا الواقع، سواء في الإعلام أو في النقاشات العامة أو حتى داخل دوائر صنع القرار، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأخطاء نفسها.

دلالة ثقافية

في ختام المقال، يستحضر الكاتب عملًا فنيًا للكاتبة إيتي أنكاري، وتحديدًا أغنية «ميخائيل» التي صدرت في أوائل التسعينيات. ويقتبس منها فكرة مفادها أن الناس، حين يواجهون صعوبة في إنجاز أمر ما، يلجؤون إلى التلاعب بالواقع بدلًا من مواجهته.

هذه الإشارة الثقافية تُستخدم لتلخيص الفكرة الأساسية للمقال، وهي أن التعقيدات السياسية والإدارية، مهما كانت أسبابها، لا تلغي نتائجها، بل تجعل تكلفتها مشتركة، حيث يدفع الجميع ثمن العجز عن التعامل مع الأزمات بشكل جذري وفعّال.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

غزة بعد الحرب: حين يتحول العجز إلى خطر مستتر - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°