في تحليل قدّمه أ.د سمير مصطفى أبو مدلله، المحاضر في جامعة الأزهر بغزة وعضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين، تتكشف ملامح أزمة اقتصادية غير مسبوقة يعيشها قطاع غزة، حيث لم تعد المشكلة مقتصرة على نقص السيولة، بل امتدت لتطال جوهر النظام النقدي نفسه، ما أدى إلى تعطّل وظيفة المال كوسيط للتبادل وكمخزن للقيمة، وهو ما أدخل الاقتصاد في حالة شلل شبه كامل.
أزمة تتجاوز نقص النقد
لا يمكن اختزال أزمة غزة في مجرد شحّ الأموال، إذ تشير التقديرات الدولية إلى أن معدلات البطالة تجاوزت 77%، فيما ارتفعت نسب الفقر إلى أكثر من 85% من السكان، في ظل اعتماد متزايد على المساعدات الإنسانية كمصدر رئيسي للدخل. ومع تراجع الإنتاج المحلي نتيجة العدوان وتدمير البنية الاقتصادية، فقد السوق قدرته على توليد الدخل، ما أدى إلى انكماش حاد في الطلب وضعف في حركة التداول النقدي.
الأزمة هنا هيكلية وعميقة، حيث لم يعد المال يدور داخل الاقتصاد كما ينبغي، بل أصبح محبوسًا أو متآكلًا، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على قدرة الأفراد على الإنفاق والادخار.
قيود العملة وتآكل الكتلة النقدية
يرتبط الاقتصاد الفلسطيني، وفق اتفاق باريس الاقتصادي لعام 1994، بالشيكل كعملة رئيسية، مع التزام ضمني بضمان تدفق العملة واستبدال التالف منها. إلا أن الواقع يكشف عن تحكم فعلي في تدفق النقد إلى غزة، حيث يتم تقييد إدخال الأوراق النقدية الجديدة، في وقت تتآكل فيه الكتلة النقدية المتداولة بفعل الاستخدام المستمر دون تعويض كافٍ.
هذا التقييد أدى إلى اختناق مالي حاد، جعل من النقد الورقي موردًا نادرًا، وأضعف قدرة السوق على العمل بشكل طبيعي، خاصة في ظل غياب بدائل نقدية مستقرة.
تآكل القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار
في ظل هذه الظروف، فقدت الأجور قيمتها الفعلية، حيث تراجعت القدرة الشرائية بأكثر من 50% مقارنة بما قبل عام 2023، بينما ارتفعت أسعار السلع الأساسية بنسبة تصل إلى 40% نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل.
هذه المعادلة خلقت واقعًا اقتصاديًا مشوّهًا يجمع بين ضعف الطلب وارتفاع الأسعار، وهو ما يزيد من تعقيد الأزمة ويجعل التعافي أكثر صعوبة.
الدفع الإلكتروني كبديل اضطراري
أمام نقص السيولة، لجأ السوق إلى إعادة تشكيل أدواته، حيث توسّع الاعتماد على الدفع الإلكتروني والتحويلات البنكية كبديل للنقد. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 70% من عمليات البيع في قطاع التجزئة تتم دون استخدام النقد المباشر، وهو تحول يعكس مرونة نسبية في التعامل مع الأزمة.
لكن هذا الحل لم يكن جذريًا، إذ تبقى الحاجة إلى النقد قائمة عند تسوية المعاملات، ما يعيد الأزمة إلى نقطة البداية ويكشف حدود البدائل الرقمية في بيئة تعاني من اختناق نقدي.
سوق “تسييل الرصيد”: أخطر مظاهر الأزمة
من أبرز الظواهر التي أفرزتها الأزمة ظهور سوق موازية تُعرف بـ”تسييل الرصيد”، حيث يتم تحويل الأرصدة البنكية إلى نقد مقابل عمولات مرتفعة تتراوح بين 20% و30%.
في هذه السوق، لم يعد المال مجرد وسيلة للتبادل، بل أصبح النقد نفسه سلعة تُباع وتُشترى، وهو ما يعكس انهيارًا عميقًا في وظيفة المال، ويزيد من الأعباء على المواطنين الذين يخسرون جزءًا من دخلهم فقط للحصول على أموالهم.
اختلال هيكلي في الاقتصاد
يعاني اقتصاد غزة من اختلال هيكلي واضح، إذ يعتمد بنسبة تزيد عن 80% على الاستيراد، في مقابل انهيار شبه كامل في الإنتاج المحلي. هذا الاعتماد يجعل الاقتصاد رهينة للتدفقات الخارجية التي تتسم بعدم الاستقرار، ويحد من قدرته على توليد سيولة داخلية.
ومع تزايد المديونية الفردية وتآكل المدخرات، تقترب الأزمة من التحول إلى حالة دائمة، خاصة مع تصاعد مخاطر العجز عن السداد، وهو ما قد يؤدي إلى انهيار أوسع في النظام الاقتصادي.
تداعيات اجتماعية متفاقمة
لا تقتصر آثار الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل تمتد لتشمل البنية الاجتماعية، حيث تتآكل الطبقة الوسطى بشكل متسارع، وتضطر الأسر إلى تقليص الإنفاق على التعليم والصحة لصالح الاحتياجات الأساسية.
ومع اعتماد غالبية السكان على المساعدات، فإن أي اضطراب في تدفقها قد يؤدي إلى صدمة معيشية فورية، ما يهدد الاستقرار الاجتماعي ويزيد من هشاشة المجتمع.
أبعاد سياسية للأزمة
يرى التحليل أن أزمة السيولة في غزة ليست نتيجة عوامل اقتصادية طبيعية فقط، بل ترتبط بشكل مباشر بقيود مفروضة على حركة النقد والبضائع، ما يمنحها بعدًا سياسيًا واضحًا.
هذا الارتباط يجعل من الصعب معالجة الأزمة عبر أدوات مصرفية تقليدية، ويستدعي حلولًا مركبة تأخذ في الاعتبار السياق السياسي والاقتصادي معًا.
نحو حلول مركبة
يتطلب الخروج من الأزمة حزمة من الإجراءات المتكاملة، تبدأ بضمان إدخال منتظم وكافٍ للعملة الورقية واستبدال التالف منها، إلى جانب تخفيف القيود على السحب النقدي لضمان وصول عادل للأموال. كما تبرز الحاجة إلى تنظيم سوق “تسييل الرصيد” للحد من الاستغلال، وتعزيز دور الأدوات الرقمية بشكل أكثر استدامة.
هذه الحلول، رغم ضرورتها، تبقى رهينة بتحسن الظروف العامة ورفع القيود المفروضة على الاقتصاد، وهو ما يجعل التعافي مرهونًا بعوامل تتجاوز الإطار الاقتصادي البحت.
في المحصلة، تعيش غزة حالة اقتصادية نادرة يتحول فيها النقد من وسيلة لتيسير الحياة إلى غاية بحد ذاته، ومع استمرار القيود والانكماش، تصبح السيولة معيارًا يوميًا ليس فقط للنشاط الاقتصادي، بل لإمكانية البقاء، ما يعكس عمق الأزمة وتعقيداتها المتشابكة.










