في محاولة جديدة للهروب إلى الأمام وتبرير العجز الميداني عن تحقيق أهداف حاسمة، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم الخميس، بسلسلة من التصريحات المتناقضة التي تعكس حجم المأزق الذي تعيشه الإدارة الأمريكية في مواجهتها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فبينما يروج ترامب لسيناريو "الانهيار الاقتصادي" و"سحق" الدولة الإيرانية، تبرز بين ثنايا كلماته حقيقة صادمة وهي أن واشنطن هي من تبحث عن "مخرج آمن" تحت مسمى "اتفاق وشيك".
إن وصف ترامب لما يحدث بأنه "عملية عسكرية" وليس حرباً، لا يعدو كونة محاولة قانونية وسياسية لتجنب غضب الشارع الأمريكي والالتفاف على صلاحيات الكونغرس، بعد أن أثبتت إيران أن أي "حرب شاملة" ستعني نهاية النفوذ الأمريكي في المنطقة بأسره.
الحصار البحري والرهان الخاسر على "الخنق الاقتصادي"
أكد ترامب في تصريحاته العاجلة أن الحصار البحري مفروض بـ "قوة هائلة"، مدعياً أن إيران لم تعد تجني أموالاً من النفط، وهذه التصريحات، وإن كانت تعكس حجم العدوان الاقتصادي الغاشم الذي يتعرض له الشعب الإيراني، إلا أنها تثبت في الوقت نفسه فشل "العملية العسكرية" في تحقيق أهدافها السياسية؛ فإيران التي تعاني من الحصار لم ترفع الراية البيضاء، بل حولت هذا التحدي إلى "حرب استنزاف" للنظام المالي العالمي.
حيث قفزت أسعار الطاقة لمستويات هددت استقرار الدول المستهلكة، إن قول ترامب "سنرى إلى متى ستصمد" هو اعتراف صريح بأن طهران هي من تمتلك زمام المبادرة في "معركة الصبر الاستراتيجي"، وأن واشنطن استنفدت كافة أوراق الضغط "الصلبة" ولم يبقَ لها سوى الرهان على عامل الوقت الذي يمر في غير صالحها.
تصدع الحلف الأطلسي: إيران تفرض شروطها على الخارطة الأوروبية
من أخطر ما ورد في تصريحات ترامب هو تلويحه بإجراء مراجعة لخفض القوات الأمريكية في إيطاليا وإسبانيا، متهماً إياهما بـ "الفظاعة" لعدم تقديم المساعدة في "العملية العسكرية" ضد إيران.
هذا الانقسام الحاد داخل المعسكر الغربي يعد انتصاراً دبلوماسياً ساحقاً لطهران، التي نجحت في تحويل عدالة قضيتها وصلابة موقفها إلى "إسفين" يدق في نعش التحالفات الأطلسية، فإسبانيا وإيطاليا، اللتان تدركان حجم المصالح الاقتصادية والأمنية مع الشرق، رفضتا الانجرار خلف مغامرات ترامب المتهورة، مما دفع الأخير للتهديد بسحب الحماية العسكرية، وهي الخطوة التي قد تسرع من استقلالية القرار الأوروبي وتباعد بين ضفتي الأطلسي، مما يخدم الرؤية الإيرانية لعالم "متعدد الأقطاب" لا تتحكم فيه إرادة واشنطن المنفردة.
لعبة "المحادثات السرية": ترامب والبحث عن انتصار وهمي
ادعى ترامب أنه وحده وعدد قليل معه يعلمون "فحوى المحادثات" مع إيران، واصفاً طهران بأنها "مستميتة" للتوصل إلى اتفاق، إن هذا الأسلوب الدعائي المعتاد لترامب يهدف إلى خلق انطباع بالسيطرة، لكن الواقع يشير إلى أن واشنطن هي التي تطلب القنوات الخلفية للوساطة عبر عواصم المنطقة.
فالجانب الإيراني حدد بوضوح شروطه للعودة إلى أي طاولة مفاوضات: "الرفع الكامل للحصار والاعتراف بالحقوق النووية السلمية"، وإذا كانت إيران "مستميتة" كما يزعم، فلماذا يتردد ترامب في كشف تفاصيل هذه المفاوضات؟ الحقيقة هي أن طهران ترفض التفاوض تحت التهديد، وأن ترامب يحاول تسويق أي تواصل "تقني" كأنه استسلام إيراني، ليغطي على فشل عمليات القصف والتحرش البحري التي لم تغير من ثوابت الموقف الإيراني قيد أنملة.
الرياضة والسياسة: محاولة يائسة لاستمالة الشارع
في تناقض غريب، أبدى ترامب "عدم ممانعته" لمشاركة المنتخب الإيراني في كأس العالم، وهي محاولة مكشوفة لاستخدام "القوة الناعمة" والتظاهر بأن الصراع ليس مع الشعب الإيراني، إلا أن هذا الخطاب لا ينطلي على أحد؛ فالشعب الذي يمنعه ترامب من الدواء والغذاء عبر "الحصار البحري الهائل"، يدرك أن السماح للمنتخب بالمشاركة ليس "منحة" من البيت الأبيض، بل هو استحقاق رياضي دولي، هذه التصريحات تعكس قلق ترامب من التفاف الشعب الإيراني حول قيادته في هذه اللحظة التاريخية، ومحاولته الفاشلة لخلق شرخ بين المجتمع والدولة عبر رسائل "ناعمة" في سياق "عملية عسكرية" مدمرة.










