21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

إيران تطرح صفقة القرن الإقليمية: 3 مراحل لإطفاء الحرب وتجميد النووي دون تفكيكه

كشفت وكالة الأنباء الإيرانية تفاصيل “اتفاق الإطار العملي” الإيراني المقدم إلى الولايات المتحدة عن واحدة من أكثر المبادرات شمولًا وتعقيدًا في تاريخ الصراع بين إيران وواشنطن

بقلم: سماح عثمان
٣ مايو ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
19 مشاهدة
إيران

إيران

كشفت وكالة الأنباء الإيرانية تفاصيل “اتفاق الإطار العملي” الإيراني المقدم إلى الولايات المتحدة عن واحدة من أكثر المبادرات شمولًا وتعقيدًا في تاريخ الصراع بين إيران وواشنطن، إذ لا يقتصر المقترح على وقف الحرب أو إدارة التصعيد الراهن، بل يتجه نحو مشروع متكامل لإعادة صياغة التوازنات العسكرية والأمنية والنووية في الشرق الأوسط، عبر ثلاث مراحل مترابطة تبدأ بإنهاء الحرب، وتمر بإعادة ترتيب الملف النووي، وصولًا إلى بناء نظام أمني إقليمي جديد تشارك فيه القوى العربية والإقليمية.

هذا المقترح، بصيغته المتداولة، يكشف أن إيران لا تتعامل مع اللحظة الحالية باعتبارها أزمة عسكرية عابرة، بل كفرصة استراتيجية لإعادة تعريف موقعها الإقليمي، وتثبيت نفسها كطرف مركزي في هندسة أمن المنطقة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على جوهر بنيتها النووية والسيادية.

المرحلة الأولى: من وقف النار إلى إنهاء الحرب

المرحلة الأولى تمثل العمود الفقري للمبادرة الإيرانية، حيث تهدف إلى تحويل أي وقف لإطلاق النار إلى إنهاء كامل للحرب خلال 30 يومًا كحد أدنى، بما يمنع العودة إلى نموذج الهدن المؤقتة أو التهدئة الهشة. وتصر طهران هنا على أن وقف الحرب لا يجب أن يكون مجرد تجميد للصراع، بل عملية سياسية وأمنية تقود إلى إغلاق شامل لجبهات المواجهة.

ضمن هذا السياق، تطرح إيران مبدأ إنشاء مرجعية دولية تكون مسؤولة عن ضمان عدم العودة إلى الحرب، في خطوة تعكس سعيًا واضحًا لنقل أي اتفاق من مستوى التفاهمات الثنائية إلى مستوى الضمانات متعددة الأطراف، بما يصعّب التنصل منه مستقبلًا.

كما تتضمن هذه المرحلة تعهدًا إيرانيًا أمريكيًا متبادلًا بعدم الاعتداء، ليس فقط بين الطرفين المباشرين، بل بما يشمل حلفاء إيران في المنطقة و"إسرائيل"، وهو بند بالغ الحساسية لأنه يربط الأمن الإقليمي بمنظومة ردع أوسع قد تعيد تعريف شكل الاشتباك في الشرق الأوسط.

هرمز والموانئ: الاقتصاد مقابل الأمن

في بعد استراتيجي بالغ الأهمية، تشمل المرحلة الأولى فتح مضيق هرمز تدريجيًا، مع تولي إيران مسؤولية التعامل مع الألغام والترتيبات الأمنية المرتبطة بالممر البحري، مع عدم ممانعة تقديم دعم أمريكي في هذا السياق. هذا البند يعكس اعترافًا ضمنيًا بأهمية الدور الإيراني في أمن المضيق، مقابل إعادة انسياب الملاحة الدولية.

بالتوازي، ينص المقترح على رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية تدريجيًا، بما يتناسب مع فتح هرمز، وهو ما يربط الاقتصاد الإيراني مباشرة بآليات الأمن البحري. كما تتضمن المرحلة تعديل بند التعويضات بصيغة جديدة ومبتكرة، في محاولة واضحة لإيجاد تسوية تحفظ ماء الوجه سياسيًا دون إسقاط المطالب الإيرانية بالكامل.

وتشدد المرحلة كذلك على انسحاب القوات الأمريكية من محيط إيران البحري، وإنهاء حالة التحشيد العسكري، بما يعني عمليًا تقليص الوجود العسكري الضاغط حول الجغرافيا الإيرانية.

المرحلة الثانية: تجميد لا تفكيك

الشق النووي في المقترح يبدو شديد الحساسية، إذ تطرح إيران تجميدًا كاملًا لعمليات تخصيب اليورانيوم لفترة زمنية قد تصل إلى 15 عامًا، وهو سقف طويل نسبيًا يعكس استعدادًا لتقديم تنازل زمني، لكن دون المساس بجوهر المشروع النووي.

فالمقترح يرفض بشكل واضح تفكيك البنى التحتية النووية أو تدمير المنشآت، ما يعني أن إيران تقبل بتجميد النشاط لا بإلغاء القدرة. وبعد انتهاء السقف الزمني، تنص الخطة على عودة إيران للتخصيب بنسبة 3.6% وفق مبدأ “صفر تخزين”، بما يحد من تراكم المواد الحساسة مع الحفاظ على الحق التقني والسيادي.

أما مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، فتقترح طهران بشأنه خيارين: الترحيل إلى الخارج أو ترقيق نسبة التخصيب، بما يفتح الباب أمام تسوية تقنية بديلة عن التفكيك القسري.

العقوبات مقابل النووي

يربط المقترح الإيراني بوضوح بين الإجراءات النووية ورفع العقوبات، مؤكدًا ضرورة وجود آلية واضحة ومتزامنة تضمن أن أي خطوة نووية تقابلها خطوات اقتصادية حقيقية، لا وعود سياسية فقط. ويتضمن ذلك الإفراج التدريجي عن الأموال الإيرانية المجمدة وفق جدول زمني محدد، بما يخلق مسارًا متبادلًا لبناء الثقة.

هذا الربط يكشف أن طهران تسعى لتجنب تجربة الاتفاقات السابقة التي اعتبرت، من وجهة نظرها، أنها فرضت قيودًا دون تقديم مكاسب اقتصادية مضمونة بالقدر الكافي.

المرحلة الثالثة: نظام أمني جديد

في أكثر بنود المقترح طموحًا، تطرح إيران في المرحلة الثالثة الدخول في حوار استراتيجي شامل مع المحيط العربي والإقليمي بهدف بناء نظام أمني جديد يشمل المنطقة بأسرها. هذا البند يتجاوز فكرة تسوية الأزمة الحالية إلى مشروع إعادة هيكلة البيئة الأمنية في الشرق الأوسط، بما يضع إيران لاعبًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه.

ويعكس هذا الطرح محاولة إيرانية لتحويل الاتفاق المحتمل مع أمريكا من مجرد صفقة ثنائية إلى بوابة لإعادة ترتيب العلاقات الإقليمية، خصوصًا في الخليج والممرات البحرية وموازين الردع.

إعادة تشكيل الشرق الأوسط

في جوهره، يبدو المقترح الإيراني أقرب إلى مشروع لإعادة هندسة النظام الإقليمي منه إلى اتفاق تقليدي لوقف الحرب. فهو يجمع بين الأمن البحري، والملف النووي، والعقوبات، والانتشار العسكري، والعلاقات العربية الإقليمية ضمن إطار واحد مترابط.

لكن نجاح هذا الطرح سيظل مرهونًا بمدى استعداد أمريكا وحلفائها، خاصة "إسرائيل"، لقبول ترتيبات قد تمنح إيران اعترافًا أوسع بدورها ونفوذها. وبينما قد ترى طهران في المبادرة فرصة تاريخية لفرض معادلة جديدة، فإن خصومها قد ينظرون إليها باعتبارها محاولة لإعادة شرعنة النفوذ الإيراني تحت غطاء تسوية كبرى.

وبين هذين المنظورين، تقف المنطقة أمام احتمالين: إما صفقة تاريخية تعيد رسم خرائط القوة، أو انهيار تفاوضي يعيد الشرق الأوسط إلى دورة أكثر خطورة من الصراع المفتوح.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال