رحبت وزارة الخارجية والمغتربين في دولة فلسطين بالبيان التاريخي الصادر عن لجنة القضاء على التمييز العنصري في ختام دورتها رقم مائة وسبعة عشر، والذي سلط الضوء بشكل مباشر على خطورة إقرار برلمان الاحتلال (كنيست) لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في الثلاثين من آذار لعام ألفين وستة وعشرين.
هذا الموقف الأممي الجديد لا يمثل مجرد تعبير عن القلق، بل هو صرخة في وجه الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها قوة الاحتلال ضد مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
وتكمن أهمية هذا البيان في كونه يعزز السردية الفلسطينية التي تؤكد أن إسرائيل تكرس نظاماً قانونياً مزدوجاً يستهدف الهوية الوطنية الفلسطينية بشكل حصري، ويحول مؤسسات "الدولة" المفترضة إلى أدوات للقتل والتصفية الممنهجة تحت ستار التشريعات البرلمانية الزائفة.
أبعاد التشريع العنصري وسياقاته السياسية
أكدت وزارة الخارجية والمغتربين أن الإجماع الدولي المتنامي حول خطورة هذا التشريع يعكس إدراكاً عالمياً للطبيعة العنصرية التي تغلف السياسات الإسرائيلية في الوقت الراهن.
إن قانون إعدام الأسرى ليس مجرد إجراء جنائي عادي، بل هو تصعيد خطير ومدروس ضمن منظومة القوانين التمييزية التي تطبقها إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، بحق الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده.
ويأتي هذا القانون ليؤطر نظام "الأبارتهايد" أو الفصل العنصري في أبهى صوره، حيث يستهدف الفلسطينيين بناءً على هويتهم الوطنية وكفاحهم المشروع، في حين يتم استثناء أي فئات أخرى من هذا العقاب القاسي، مما يكرس نظاماً تمييزياً في تطبيق العدالة ينسف كافة الأعراف التي قامت عليها المحاكمات الجنائية في العالم المتمدن.
غياب ضمانات العدالة في المحاكم العسكرية
شددت القيادة الدبلوماسية الفلسطينية على أن فرض عقوبة الإعدام في ظل غياب كامل لضمانات المحاكمة العادلة يمثل انتهاكاً صارخاً للحق في الحياة المكفول بموجب المعاهدات الدولية.
إن نظام المحاكم العسكرية الإسرائيلية، الذي يفتقر إلى أبسط معايير النزاهة والحيادية، يعتبر أداة من أدوات الاحتلال العنصري التي تهدف إلى قمع التطلعات الفلسطينية بالحرية.
وفي هذا السياق، يعتبر البيان الأممي مرجعاً قانونياً هاماً يؤكد أن هذه الإجراءات تضرب بعرض الحائط العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وتُعد جُرماً خطيراً يمس الجوهر الأخلاقي للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، حيث يتم تحويل القضاء إلى مقصلة سياسية تهدف إلى ترهيب الشعب الرازح تحت نير الاحتلال منذ عقود طويلة.
مطالبات دولية بوقف سياسات القمع
ثمنت الخارجية الفلسطينية دعوة لجنة القضاء على التمييز العنصري الصريحة لدولة الاحتلال بضرورة الإلغاء الفوري لهذا القانون الجائر.
إن المطالبة بوقف جميع السياسات والممارسات التي تنطوي على تمييز عنصري ضد الفلسطينيين تعد خطوة ضرورية نحو حماية الأسرى والمعتقلين من تغول السلطات الإسرائيلية. ويشمل ذلك ضمان تمتعهم بكافة حقوقهم الأساسية التي كفلتها اتفاقية جنيف الرابعة، بما في ذلك الحق في الحماية من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية والتعذيب الممنهج الذي بات سمة بارزة في السجون الإسرائيلية، خاصة في الفترات الأخيرة التي شهدت تغولاً غير مسبوق في إجراءات القمع والتنكيل بالأسرى العزل.
مسؤولية المجتمع الدولي في كسر الصمت
وجهت فلسطين دعوة حاشدة إلى المجتمع الدولي والدول الأطراف في الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية.
لا يمكن للعالم أن يقف متفرجاً أمام شرعنة القتل، ويجب على الدول الالتزام بواجب عدم الاعتراف بالأوضاع غير القانونية الناجمة عن الاحتلال. إن عدم تقديم المساعدة في استدامة هذه الأوضاع يتطلب اتخاذ إجراءات ملموسة وفعالة لوقف الانتهاكات الإسرائيلية، بما في ذلك البدء في إجراءات المساءلة والمحاسبة على السياسات غير القانونية. ويجب ضمان عدم تقديم أي دعم مادي أو موارد تساهم في ترسيخ هذا النظام التمييزي، تنفيذاً دقيقاً لتوصيات اللجنة الأممية التي وضعت النقاط على الحروف في توصيف الحالة الحقوقية المتدهورة.
الحراك الدبلوماسي الفلسطيني المستقبلي
رغم الترحيب بالاستجابة الأممية، أكدت وزارة الخارجية والمغتربين أن هذا الحراك هو مجرد بداية لمرحلة جديدة من النضال القانوني. ستواصل فلسطين تحركها على كافة المستويات الدولية، بما في ذلك تفعيل آليات الأمم المتحدة والتوجه نحو المحاكم الدولية لضمان عدم إفلات المسؤولين الإسرائيليين من العقاب.
الهدف النهائي هو ضمان الحماية الشاملة لحقوق الشعب الفلسطيني وتحقيق العدالة التي غابت طويلاً بفعل ازدواجية المعايير الدولية. إن إنهاء الاحتلال يمر حتماً عبر تفكيك منظومته القانونية العنصرية التي يحاول فرضها على الأرض، وهو ما يسعى إليه الدبلوماسي الفلسطيني في كل محفل دولي لإيصال صوت الأسرى ومعاناتهم إلى ضمير العالم.
واقع الأرقام في زنازين الاحتلال
في الثلاثين من آذار الماضي، أقر الكنيست هذا القانون المثير للجدل، وهو ما قابله العالم بموجة استنكار واسعة ومظاهرات عارمة في دول عربية وإقليمية طالبت بإسقاطه فوراً.
ووفقاً للإحصائيات الأخيرة، يقبع في سجون الاحتلال أكثر من تسعة آلاف وستمائة أسير فلسطيني، بينهم ثلاثمائة وخمسون طفلاً يعيشون في ظروف تفتقر للحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، بالإضافة إلى تسع وثمانين سيدة يواجهن شتى أنواع التنكيل. وتشير المنظمات الحقوقية إلى أن هؤلاء الأسرى يعانون من سياسات التجويع والإهمال الطبي المتعمد، مما أدى إلى ارتقاء عشرات الشهداء داخل الزنازين، في ظل صمت دولي لم ينكسر إلا ببيانات قوية كالتي صدرت عن لجنة القضاء على التمييز العنصري.
التصعيد الإسرائيلي والعدوان على غزة
منذ تشرين الأول من عام ألفين وثلاثة وعشرين، شهدت الأوضاع في السجون تصعيداً غير مسبوق تزامن مع العدوان الوحشي على قطاع غزة.
هذه الإجراءات الانتقامية لم تكن معزولة عن سياق الحرب الشاملة التي تشنها دولة الاحتلال بدعم عسكري وسياسي أمريكي واضح. لقد أسفرت هذه السياسات العدوانية عن ارتقاء أكثر من اثنين وسبعين ألف شهيد وإصابة نحو مائة واثنين وسبعين ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء. وفي ظل هذه الكارثة الإنسانية، جاء قانون إعدام الأسرى ليكون بمثابة رصاصة الرحمة على ما تبقى من قيم حقوقية، مما يستوجب تحركاً دولياً فورياً لا يتوقف عند حدود التنديد، بل ينتقل إلى مربع الفعل والضغط الحقيقي لوقف آلة القتل الإسرائيلية.










