19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

القاعدة السرية في صحراء العراق: إسرائيل تبني مهبط طائرات.. وأمريكا تدير العمليات يومياً

نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، تحقيقاً استقصائياً كشفت فيه أن إسرائيل أقامت قاعدة عسكرية سرية في صحراء العراق، قبل أيام فقط من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

بقلم: أخبار ومتابعات
١٠ مايو ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
53 مشاهدة
قاعدة عسكرية سرية إسرائيلية في العراق

قاعدة عسكرية سرية إسرائيلية في العراق

في كشف مدوٍ يعيد رسم خريطة الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة العربية، نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، يوم الجمعة 9 مايو 2026، تحقيقاً استقصائياً كشفت فيه أن دولة الاحتلال الإسرائيلي أقامت قاعدة عسكرية سرية في صحراء العراق، قبل أيام فقط من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026. 

وأظهرت صور الأقمار الصناعية التي حصلت عليها الصحيفة إنشاء مهبط طائرات مؤقت بطول يقارب 1.6 كيلومتر داخل قاع بحيرة جافة، على بُعد نحو 180 كيلومتراً جنوب غرب مدينتي النجف وكربلاء المقدستين . وكشفت المصادر المطلعة، بينهم مسؤولون أمريكيون كبار، أن القاعدة كانت تستخدم من قبل قوات النخبة الإسرائيلية كنقطة انطلاق للعمليات الجوية والبرية ضد إيران، وذلك بعلم مباشر من الولايات المتحدة التي لم تكتفِ بالعلم فحسب، بل شاركت في تنسيق العمليات وتوفير الغطاء الجوي .

ويكتسب هذا الكشف أبعاداً خطيرة تتجاوز مجرد انتهاك للسيادة العراقية، فهو يثبت أن إسرائيل لم تكتفِ باستخدام الأجواء العربية في عدوانها على إيران، بل أقامت معسكرات ومراكز قيادة على الأراضي العربية بشكل غير شرعي، متحدية بذلك كل القوانين والأعراف الدولية. 

وبينما كان النظام السياسي العراقي يعلن مراراً أنه "لن يسمح باستخدام أراضيه لتهديد جيرانه"، كانت القوات الإسرائيلية تحفر في رمال العراق وتنشئ مدارج طائرات ومراكز عمليات متكاملة، في مشهد يعيد إلى الأذهان ممارسات الاحتلال في حقبة ما بعد غزو العراق عام 2003 .

تفاصيل القاعدة السريّة

أفادت التحقيقات، التي اعتمدت على صور الأقمار الصناعية وشهادات مصادر مطلعة، أن القاعدة الإسرائيلية السرية أقيمت في منطقة نائية من صحراء محافظة الأنبار، تحديداً داخل قاع بحيرة جافة، في موقع استراتيجي يسهل الدفاع عنه ويصعب اكتشافه من الجو أو البر. 

قاعدة عسكرية سرية إسرائيلية في العراق.jpeg


 

وشملت المنشأة مهبطاً مؤقتاً للطائرات بطول يقارب 1.6 كيلومتر، وهو ما يكفي لاستقبال طائرات الشحن الثقيلة والطائرات الحربية . كما تضمنت القاعدة، وفقاً للمصادر، مرافق إقامة لقوات النخبة، ومخازن أسلحة وذخيرة، ونظام اتصالات متطوراً يربطها مباشرة بغرف العمليات الإسرائيلية والأمريكية .

وكانت المهمة الأساسية لهذه القاعدة، كما كشفت الوثائق المسربة، هي العمل كمركز لوجستي متقدم لسلاح الجو الإسرائيلي، حيث كانت الطائرات الحربية الإسرائيلية تنطلق من أجواء العراق لتنفيذ آلاف الطلعات الجوية ضد الأهداف الإيرانية في العمق الفارسي . كما تضمنت القاعدة نشر وحدات كاملة من قوات الإنقاذ والبحث (CSAR)، وهي وحدات خاصة مدربة على انتشال الطيارين الإسرائيليين في حال إسقاط طائراتهم داخل الأراضي الإيرانية، وهو ما يؤكد أن إسرائيل كانت تخطط لعملياتها بعناية فائقة . 

وفي الحادثة الأكثر دراماتيكية، كشفت المصادر أن إسرائيل عرضت مساعدة الولايات المتحدة في إنقاذ طيارَي طائرة "إف-15" الأمريكية التي أُسقطت فوق إيران في 3 أبريل، حيث قامت الطائرات الإسرائيلية بقصف المناطق المحيطة لتأمين مهمة الإنقاذ الأمريكية، في مشهد كامل للتنسيق العسكري على الأراضي العراقية .

المواجهة مع الجيش العراقي

في واحدة من أكثر حلقات هذه القصة إثارة وإدانة، كشفت التحقيقات أن القوات الإسرائيلية لم تكتفِ ببناء قواعدها خلسة، بل أقدمت على قصف الجيش العراقي نفسه عندما اقترب من اكتشاف السر. 

وفي أوائل مارس، تلقى الجيش العراقي بلاغاً من راعٍ محلي يفيد برصد تحركات غير عادية في قلب الصحراء، بما في ذلك هبوط طائرات هليكوبتر وعدة عسكرية ثقيلة . وعندما تحركت قوة عسكرية عراقية لاستكشاف الأمر عند الفجر، تعرضت لغارة جوية مفاجئة ومكثفة، وأكدت المصادر أن القوة العراقية تعرضت لإطلاق نار كثيف من "قوات على الأرض مدعومة من الجو" .

وأسفرت هذه الغارة الإسرائيلية الغادرة عن استشهاد جندي عراقي وإصابة اثنين آخرين بجروح، في حادثة وصفتها الحكومة العراقية آنذاك بأنها "عملية متهورة نفذت دون تنسيق أو موافقة مسبقة" . ونقلت المصادر عن نائب قائد العمليات المشتركة العراقية الفريق قيس محمداوي قوله إن "هناك قوة معينة كانت على الأرض قبل الهجوم، مدعومة من الجو، تنفذ عمليات تفوق قدرات وحداتنا" . ورفعت بغداد شكوى رسمية إلى الأمم المتحدة ضد القوات الأجنبية، لكن الولايات المتحدة التي وجهت أصابع الاتهام إليها آنذاك، نفت مسؤوليتها عن الهجوم، ليكشف التحقيق لاحقاً أن إسرائيل هي التي نفذت هذه الجريمة بدم بارد .

الموقف الأمريكي: علم وتنسيق ومشاركة

يكشف تحقيق "وول ستريت جورنال" عن بعد آخر أخطر من مجرد انتهاك السيادة، وهو التورط المباشر لواشنطن في هذه الجريمة. فجميع المصادر الأمريكية التي تحدثت للصحيفة أكدت أن الولايات المتحدة كانت "عالمة" ومطلعة على تفاصيل إنشاء وتشغيل القاعدة، بل شاركت في التنسيق الأمني والاستخباراتي للحفاظ على سرية الموقع . وعندما سُئلت وزارة الخارجية الأمريكية عن القاعدة (مكتب الشؤون العراقية)، رفضت التعليق، وهو ما اعتبره مراقبون دليلاً إضافياً على التورط .

واللافت أن الولايات المتحدة لم تكتفِ بالعلم فقط، بل تحركت لحماية القاعدة الإسرائيلية، إما بتوجيه القوات العراقية بعيداً عن المنطقة عبر قنوات غير مباشرة، أو بتقديم المشورة الفنية والإسناد الجوي. ويؤكد مراقبون أن هذا التنسيق الوثيق يضع العراق في موقف شديد الحساسية، فهو بين فكي كماشة: من جهة، حليفته واشنطن التي تدير العمليات من خلف الستار، ومن جهة أخرى، جيرانه في طهران الذين يعتبرون الوجود الإسرائيلي على الأراضي العراقية بمثابة إعلان حرب.

أيادٍ أمريكية تقود الخنجر الإسرائيلي

يمثل كشف القاعدة الإسرائيلية السرية في عمق الصحراء العراقية فضيحة كبرى للسيادة الوطنية العراقية، وتجسيداً صارخاً لسياسة المحاور التي تحكم المنطقة. فلم يعد العراق، الذي دفع أثماناً باهظة لطرد قوات الاحتلال الأمريكي، قادراً على حماية حدوده من الاستغلال الإسرائيلي الممنهج.

والأكثر إيلاماً، هو الدور الأمريكي المزدوج: فبينما تعلن واشنطن دعمها لسيادة العراق واستقراره، كانت خلف الكواليس تخطط وتنفذ وتغطي لوجود عسكري إسرائيلي في قلب البلاد لاستهداف جارة العراق الشرقية، إيران. 

ويبقى السؤال الأهم الذي يطرحه المحللون الآن: كيف سيتعامل صناع القرار في بغداد مع هذه الخيانة الأمريكية المكشوفة؟ وهل ستكون هناك محاسبة حقيقية لهذا الانتهاك الجسيم، أم أن ضعف الدولة سيجعل العراق ساحة مفتوحة لصراعات الكبار إلى الأبد؟

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال