لم تكتفِ إسرائيل بارتكاب 64 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار في يوم واحد فقط، بل قتلت 15 شخصاً بينهم طفلان وأصابت العشرات، ووسعت نطاق عدوانها ليطال مناطق في وسط لبنان، وحلقت طائراتها المسيرة بكل وقاحة فوق العاصمة بيروت، وذلك في تحدٍ سافر لكل القوانين الدولية والقيم الإنسانية.
وجاء هذا التصعيد الدموي عشية جولة محادثات ثالثة مقررة في واشنطن بين بيروت وتل أبيب، في مشهد مؤسف يظهر فيه ممثلو الدولة اللبنانية وهم يتسولون التفاوض مع المحتل الذي يذبح أطفالهم، بينما تعجز قواتهم المسلحة عن حماية شبر واحد من التراب الوطني.
ووفقاً لإحصاء أعدته وكالة الأناضول استناداً إلى بيانات الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية، فقد توزعت الهجمات الإسرائيلية بين 53 غارة جوية على مناطق مختلفة، وقصف مدفعي مكثف، وعمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة، وإنذارات بالإخلاء للسكان، وتفجير منازل في بلدة الخيام .
وكان المشهد الأكثر إثارة للشفقة والغضب في آن واحد، هو تصريحات بعض المسؤولين اللبنانيين الذين يوجهون أصابع الاتهام إلى المقاومة بدلاً من الاحتلال، متهمين إياها بأنها "تجر البلاد إلى حرب لا تطاق". فبينما تستمر إسرائيل في انتهاك السيادة اللبنانية يوماً بعد يوم، وتهدم المنازل على رؤوس سكانها، وتقتل أطفالها بالصواريخ الموجهة، تجد الدولة اللبنانية نفسها عاجزة عن إدانة الاحتلال، بل تنشغل بمهادنة المقاومة التي هي وحدها القادرة على ردع هذا العدوان.
ويطرح المراقبون سؤالاً محرجاً: إذا كانت الدولة اللبنانية غير قادرة على حماية حدودها أو ردع المعتدي، فبأي حق تطالب المقاومة بتسليم سلاحها؟ وبأي منطق تجلس إلى طاولة المفاوضات مع العدو الذي يحتجز أجزاء من أراضيها منذ عقود؟
64 خرقاً إسرائيليا
كشفت بيانات الوكالة الوطنية للإعلام عن تفاصيل مروعة لحجم التدمير الذي أحدثته آلة الحرب الإسرائيلية في يوم واحد فقط. ففي قضاء النبطية وحده، شن الطيران الإسرائيلي 19 غارة جوية، طالت أوتوستراد كفررمان - الميدنة بغارتين أدتا إلى مقتل شخص وتدمير 3 مبان سكنية بالكامل، واستهدفت بلدات حاروف (3 غارات) وأسفرت عن مقتل شخصين، وعربصاليم (3 غارات) أدت إلى تدمير منزل في حي اللبانة، ورومين (غارتان)، وحبوش (غارتان)، ودير الزهراني، وجرجوع حيث تم تدمير منزل على طريق جرجوع - اللويزة، وزوطر الشرقية، والنميرية، والنبطية الفوقا، وكفرصير .
أما في قضاء صور، فشن الاحتلال 18 غارة جوية استهدفت 3 سيارات مدنية، واحدة منها على طريق الناقورة قرب فندق "رلاكس"، والأخرى على طريق المعلية، والثالثة عند مفرق الشعيتية، ما أسفر عن مقتل 3 أشخاص . كما استهدفت الغارات المنطقة الواقعة بين بلدتي العباسية ودير قانون النهر، ما أدى إلى إصابة شخصين، وبلدات مجدل زون (3 غارات)، والبرج الشمالي (غارتان) حيث تم تدمير عدد من المنازل وإلحاق أضرار مادية بالمنطقة المحيطة، والحلوسية (غارتان)، والحنية، ودبعال، وصديقين، والمنصوري، ويانوح، ودير عامص، وزبقين .
وفي قضاء بنت جبيل، شن الاحتلال 8 غارات جوية استهدفت المنطقة الواقعة بين بلدتي برعشيت وشقرا، وبلدات عيتا الجبل (غارتان)، وبيت ياحون، وحاريص، وتبنين، وكفرا، وحداثا. وفي قضاء صيدا، شن 3 غارات جوية استهدفت بلدة كفرحتى (غارتان)، إضافة إلى سيارة قرب مدينة رفيق الحريري الرياضية في مدينة صيدا، ما أدى إلى مقتل شخص وإصابة آخر.
كما شمل العدوان غارتين جويتين على قضاء مرجعيون استهدفتا بلدتي مجدل سلم وتولين، وغارة جوية على قضاء جزين استهدفت بلدة الريحان. وفي الموازاة، نفذ الاحتلال 3 عمليات قصف مدفعي على قضاء النبطية استهدفت بلدات زوطر الشرقية ويحمر الشقيف وأرنون، و3 عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة على قضائي مرجعيون وبنت جبيل استهدفت منطقة وادي الحجير وبلدتي الخيام والغندورية . وأصدر الاحتلال إنذارين بالإخلاء لسكان بلدة كفرحتى بقضاء صيدا، ولسكان بلدتي عربصاليم ودير الزهراني بقضاء النبطية، قبل أن يقوم بتفجير منازل في بلدة الخيام بقضاء مرجعيون .
التوسع نحو الوسط
لم يعد العدوان الإسرائيلي محصوراً على جنوب لبنان فقط، بل امتد بشكل خطير ليطال وسط البلاد، في تحدٍ واضح لكل الخطوط الحمراء. ففي قضاء الشوف بمحافظة جبل لبنان، شن الطيران الإسرائيلي 3 غارات جوية استهدفت 3 سيارات مدنية، إحداها في بلدة السعديات، واثنتان على أوتوستراد الجية، في مشهد إرهابي أسفر عن مقتل 8 أشخاص بينهم طفلان بريئان . وفي رسالة رعب ممنهجة، حلق الطيران المسير الإسرائيلي فوق العاصمة بيروت وضواحيها، في استعراض للقوة الجوية ونوع من الإذلال المتعمد للبنانيين في عقر دارهم.
وهذا التوسع الجغرافي للعدوان الإسرائيلي لم يلق أي رد فعل جدي من قبل القيادة السياسية والعسكرية اللبنانية، التي اكتفت ببيانات استنكار شكلية، بينما بقيت قواتها في ثكناتها تتفرج على طائرات العدو وهي تحلق فوق العاصمة وتقصف مناطق مدنية آمنة.
ويسأل اللبنانيون: أين الجيش اللبناني من كل هذه الانتهاكات؟ لماذا لا تتحرك القوات المسلحة لمواجهة طائرات الاحتلال أو حتى لإسقاط الطائرات المسيرة التي تنتهك الأجواء اللبنانية بشكل يومي؟ والإجابة التي يخشى الجميع قولها هي أن الدولة اللبنانية تفضل المهادنة والخنوع على المقاومة، وتعتبر أن التفاوض مع المحتل تحت عنوان "حفظ الدماء" هو السبيل الوحيد، بينما هذا التفاوض لم يمنع سقوط الأبرياء بل شجع العدو على المزيد من التجاوزات.
خطة عسكرية جديدة عشية المفاوضات
في المفارقة الأكثر إيلاماً، لم تكتفِ إسرائيل بخرق الهدنة 64 مرة في يوم واحد، بل كشفت صحيفة "يسرائيل هيوم" العبرية أن المستوى السياسي الإسرائيلي طلب من الجيش خطة لتوسيع عدوانه على لبنان، وذلك عشية جولة المحادثات الثالثة بين بيروت وتل أبيب في واشنطن . وخلال اجتماع أمني جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بقادة الأجهزة الأمنية، طالب المسؤولون العسكريون بتقديم "حلول تكنولوجية" لمواجهة خطر الطائرات المسيرة التي يطلقها حزب الله ردا على العدوان الإسرائيلي، والتي تسبب إرباكاً كبيراً لقوات الاحتلال .
وأقرت الصحيفة بأن الطائرات المسيرة التي يطلقها حزب الله، خاصة تلك التي تعمل بتقنية الألياف الضوئية، تؤرق إسرائيل بشكل كبير بسبب صعوبة اعتراضها والتشويش عليها، وتسفر هجماتها عن قتلى ومصابين في صفوف الجيش الإسرائيلي. وهذا الاعتراف الإسرائيلي يعكس الفشل الذريع الذي منيت به تكنولوجيا الاحتلال أمام ابتكارات المقاومة. لكن الأخطر من ذلك، هو طلب المستوى السياسي من الجيش الإسرائيلي تقديم "خطة لتعميق المناورة البرية في لبنان" . وهذا يعني أن إسرائيل لا تنوي التوقف عند حدود الـ64 خرقاً اليومي، بل تستعد لعدوان أوسع وأشمل، بينما تتفاوض الدولة اللبنانية معها كما لو كانت تسعى إلى سلام حقيقي.
الدولة اللبنانية بين الفشل والمهادنة
تتعرض الدولة اللبنانية لانتقادات لاذعة من قبل الشارع اللبناني والقوى الوطنية، بسبب عجزها المريب عن حماية السيادة الوطنية وردع العدوان الإسرائيلي. فالجيش اللبناني، الذي يُنفق على تسليحه وتدريبه مئات الملايين من الدولارات سنوياً، لم يحرك ساكناً أمام انتهاكات الاحتلال اليومية، ولم يسقط طائرة مسيرة واحدة تخترق الأجواء اللبنانية، ولم يمنع القوات الإسرائيلية من نسف المنازل وتفجير الأحياء السكنية على مسافة أمتار من مواقعه.
وهذا العجز، كما يراه مراقبون، ليس عجزاً في العتاد أو التدريب فقط، بل هو عجز في الإرادة السياسية والعزيمة الوطنية، حيث تفضل الحكومة اللبنانية ارتهان قرارها للغرب على حساب كرامة شعبها وأرضها .
والأكثر إثارة للاستغراب هو أن بعض الأصوات السياسية في لبنان لا تزال تطالب "حزب الله" بنزع سلاحه، متهمة إياه بأنه "دخل الحرب من دون استشارة الدولة". ويتجاهل هؤلاء أن المقاومة هي وحدها القادرة على ردع الاحتلال وحماية المناطق الحدودية، وأن الجيش اللبناني الرسمي لم يقدم أي دليل على قدرته على حماية الحدود أو حتى تحرير شبر واحد من الأراضي المحتلة منذ عقود.
وتتساءل القوى الوطنية: إذا كانت الدولة غير قادرة على حماية مواطنيها أو استعادة أراضيها، فبأي منطق تطالب المقاومة بتسليم سلاحها؟ وإذا كانت تتفاوض مع العدو من موقع الخنوع والضعف، فما الذي تنتظره من هذه المفاوضات سوى المزيد من الذل والهزيمة؟
آلاف الشهداء والجرحى ومليون نازح
منذ أن شنت إسرائيل عدوانها الموسع على لبنان في الثاني من مارس الماضي، تتفاقم الكارثة الإنسانية بشكل يومي، حيث بلغت حصيلة القتلى حتى الآن 2896 شهيداً، وبلغ عدد الجرحى 8824 جريحاً، بالإضافة إلى أكثر من مليون نازح، أي ما يعادل حوالي خمس عدد السكان الإجمالي في لبنان . وهذا الرقم الضخم من النازحين يعكس حجم التهجير القسري الذي يمارسه الاحتلال، والذي يهدف إلى إفراغ جنوب لبنان من سكانه وتمهيد الطريق لضم المزيد من الأراضي.
وتأتي كل هذه الجرائم تحت غطاء بند في اتفاق وقف إطلاق النار، تستغله إسرائيل لتبرير هجماتها، حيث ينص البند على احتفاظها بما تزعم أنه "حقها في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن النفس في أي وقت، ضد الهجمات المخطط لها أو الوشيكة أو الجارية، ولن يقيد هذا الحق بوقف الأعمال العدائية" . وهذا البند، كما يرى القانونيون الدوليون، هو ثغرة قاتلة في الاتفاق، منحت إسرائيل تفويضاً مفتوحاً لمواصلة عدوانها دون أي رقيب، بينما تظل الدولة اللبنانية عاجزة عن أي رد فعل يذكر.
تسول التفاوض لن يوقف المجازر
أثبتت الأحداث المتسارعة أن سياسة التسول على طاولات المفاوضات في واشنطن، ومهادنة العدو الصهيوني، والرهان على "الدبلوماسية" بدلاً من المقاومة، لا تجلب سوى المزيد من الذل والهزيمة وسفك الدماء.
فبينما كانت القيادة اللبنانية تستعد لإرسال وفدها إلى واشنطن للتفاوض مع قاتل أطفالها، كانت طائرات الاحتلال تحلق فوق بيروت وتقصف مناطق مدنية وتقتل الأبرياء. إن عدم وجود رادع عسكري حقيقي يردع إسرائيل، والاعتماد الكامل على الغرب "حامي" الاتفاقات، يثبت فشله يوماً بعد يوم.
ويبقى السؤال الأهم الذي يطرحه اللبنانيون اليوم: كم عدد الشهداء الإضافيين الذين يحتاجهم المسؤولون اللبنانيون ليقتنعوا بأن مفاوضات الخنوع لا تغني عن سيف المقاومة؟ وإلى متى سيظل الجيش اللبناني متفرجاً على تدمير بلده؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن الدم اللبناني لن يهدأ، وأن التاريخ لن يرحم المتخاذلين.






