في هذا التحليل الاستراتيجي نُفكك المشهد المعقد الذي نعيشه اليوم. إنه ليس مجرد أحداث متفرقة، بل هو شبكة من الاستراتيجيات المتداخلة، حيث تتغير قواعد اللعبة وتُعاد تعريف مفاهيم القوة والضعف. ما نراه هو رقصة تانجو استراتيجية معقدة ايقاعات مختلفة، كل طرف يحاول فيها فرض إيقاعه الخاص.
الكنيست على المحك: أزمة نتنياهو والهروب إلى الأمام
المشهد السياسي الإسرائيلي يغلي، فرئيس الائتلاف أوفير كاتس يتحرك لتقديم مشروع حل الكنيست. هذا ليس قرارًا فرديًا، بل هو توافق ائتلافي داخلي. حتى المعارضة، ممثلة بـ"يش عتيد"، تسارع لتقديم قانون مماثل. السؤال هنا: لماذا الآن؟
الأسباب عميقة ومتشابكة. المحرك الأساسي هو أزمة قانون التجنيد الخاص بالحريديم. أو قد تكون هي قشرة الخلاف، الائتلاف يعيش أزمة بنيوية داخل العقل اليميني المسياني والقومي؛ الحريديم يرفضون أي قانون تجنيد، والمعارضة تشترط هذا القانون لأي ائتلاف قادم. حتى كبار الحاخامات يعبرون عن غضبهم. الحكومة عاجزة عن تمرير تشريع يرضي الجميع، والطريق مسدودة تمامًا.
نتنياهو، من جانبه، يريد الهروب إلى الأمام. زيارته السرية للإمارات ولقاؤه مع محمد بن زايد يُقدمان كـ"اختراق تاريخي". إنه توظيف سياسي واضح. نتنياهو يريد الذهاب إلى الانتخابات وهو في ذروة مشهد أمني-دبلوماسي إيجابي، بدلا من أن ينهار ائتلافه ببطء، نتنياهو كعادته يصنع اكشينات سياسية تبدو كأنها انحاز ملف التطبيع مع الامارات الثقب الاسود. الضغط العسكري أيضًا يعجل بالقرار. الجيش يسيطر على 64% من غزة، والمشهد الميداني يتغير. خطة "الخدمة الدائمة" فشلت في تخفيف عبء الاحتياط، مما يزيد الضغط الداخلي. استمرار الحرب دون أفق سياسي يُنهك الائتلاف.
حسابات كاتس ذكية. بتقديمه المشروع بالتنسيق مع الائتلاف، يتجنب الانهيار المفاجئ والمُهين للحكومة. هو من يحدد موعد الانتخابات، لا الضغط الخارجي. ويترك لنتنياهو ورقة ضغط: إمكانية التراجع إذا تغيرت الظروف. هذا المشهد يكشف أن المعارضة تشعر أن الوقت مناسب لها، وأن أي ائتلاف قادم سيكون أصعب تشكيلا بسبب اشتراط قانون التجنيد. نتنياهو يجمع رصيدًا للحملة الانتخابية، وأزمة الحريديم ستنفجر قبل الانتخابات.
الانتخابات باتت مؤكدة لا خيارية. الفارق الوحيد هو من يتحكم في توقيتها. كاتس يراهن على أن الذهاب إليها من موقع ائتلافي منظم أفضل من الانتظار حتى الانهيار. المفارقة الكبرى أن نتنياهو والمعارضة يريدان الانتخابات في الوقت ذاته، لكن لأسباب متعاكسة تمامًا.
غزة: توسع ميداني وأزمة داخلية
في غزة، تتكشف حقائق ميدانية جوهرية. إسرائيل تحولت من "الخط الأصفر"، الذي حدده اتفاق وقف إطلاق النار منذ أكتوبر 2025، إلى "الخط البرتقالي" الذي يمتد على 64% من مساحة القطاع. هذا يعني أن إسرائيل تتوسع داخل اتفاق وقف إطلاق النار، لا خارجه. إنها تغير الواقع الميداني دون كسر رسمي للاتفاق. دبلوماسي غربي أكد هذه التقارير، مما يشير إلى أن الضغط الدولي لم يوقف هذا التمدد. السيطرة على 64% تعني فعليًا أن القطاع الجغرافي الحيوي بات تحت السيطرة العسكرية.
في المقابل، أقر الجيش بفشل خطة توظيف 8000 جندي وضابط بعقود دائمة. هذه الخطة فشلت في تخفيف عبء الاحتياط، فالجنود المحتياطون لا يزالون منهكين. الحرب مستمرة دون نهاية واضحة، والتوتر الاجتماعي الداخلي يتراكم. الحريديم لا يخدمون، والعبء يتركز على شريحة واحدة من المجتمع. هذا يشرح جزئيًا لماذا ملف التجنيد الحريدي بات قنبلة موقوتة لا يمكن لأي حكومة تجاهلها.
عملية "زئير الأسد"، التي تُذكر في سياق زيارة نتنياهو للإمارات، تكشف أن إسرائيل تُسوق عملياتها العسكرية كإنجاز يُقرب التطبيع، لا كعائق له. الزيارة السرية لمحمد بن زايد تأتي على خلفية احتمال تجدد المعركة مع إيران. هذا يعني أن غزة ليست الملف الوحيد، بل جزء من صورة إقليمية أوسع. غزة تُدار على مسارين متوازيين مسار ميداني يوسع السيطرة بهدوء دون إعلان، ومسار سياسي يُحول هذه السيطرة إلى رصيد انتخابي داخلي وورقة تطبيع إقليمية. الخاسر الأكبر في هذه المعادلة هو أي مسار لوقف دائم للحرب.
نتنياهو: أوراق ضعيفة وصراع الإيقاعات
هل يستطيع نتنياهو إعادة تشكيل المشهد الانتخابي؟ نقاط ضعفه البنيوية لا يمكن إخفاؤها. الحريديم فقدوا الثقة به. صوتوا له كضامن لإعفائهم من التجنيد، واليوم لا يوجد قانون يحميهم. المحكمة العليا تضغط، والغضب الحريدي قد يتحول لعزوف عن التصويت، مما يضر نتنياهو مباشرة. أزمة الاحتياط جرح مفتوح. 8000 جندي بعقود دائمة فشلوا في تخفيف العبء. الجنود الاحتياطون وعائلاتهم كتلة انتخابية ضخمة وغاضبة. هذا الغضب لا يتبخر بخطاب انتخابي.
الجبهات معلقة لا محسومة. غزة تحت السيطرة على 64% لكن لا حل سياسي. الضفة تشهد توترًا مستمرًا. إيران تمثل تهديدًا قائمًا يستدعي زيارات سرية، وجرح ملف الاسرى العميق شعبيا ووجدانيا.
أوراق نتنياهو تتضاءل مع فرص العودة،الحريديم ديغول هتوراه وشاس أصروا على حل الكينيست بعد أن سحب الليكود كل المقترحات خشية من عدم توفر النسبة لتمرير القوانين.
لكن هناك أوراق مازالت بيد نتنياهو:
الورقة الأولى: غياب البديل الواضح. المعارضة مازالت غير قادرة على الدخول في كتلة واحدة، ايزنكوت اكتفى أن يقف بحزيه مستقلا طمعا في رئاسة الوزراء دون الوحدة الكاملة مع بينت ولابيد، نفس الشيء ليبرمان وهو أيضا يتطلع إلى كرسي رئيس الوزراء، المعارضة غير متوافقة على زعيم واحد.
الورقة الثانية: التطبيع كحدث استراتيجي. زيارة الإمارات السرية يمكن توظيفها إذا تحولت لاتفاق علني قبل الانتخابات.
الورقة الثالثة: الخوف من اليسار. نتنياهو بارع في تحويل كل انتخابات لـ"معركة وجودية" ضد اليسار والعرب، وهذا يُعبئ قاعدته حتى وهي غاضبة.
السيناريوهات المحتملة تشير إلى أن نتنياهو قد يفوز بفارق ضيق كحزب واحد إذا نجح لكن ككتلة لا توفر له نسبة الفوز.
التعويل الوحيد على انقسام المعارضة. السيناريو الأكثر احتمالًا هو سقوط نتنياهو ،ونجاح المعارضةلكن حكومة غير مستقرة لغياب التناسق الأيديولوجي و المصالح وحدوث تحول تاريخي.
الخلاصة الجوهرية هي أن نتنياهو لا يحتاج أن يكون قويًا، بل يحتاج فقط أن يكون أقل ضعفًا من منافسيه. هذه معادلته دائمًا. لكن المشكلة الحقيقية هذه المرة أن الجروح ليست خارجية. أزمة الحريديم، وإرهاق الاحتياط، كلها تنخر في قاعدته هو، لا في قاعدة المعارضة. وهذا ما يجعل هذه الانتخابات مختلفة عن كل ما سبقها.
إيران: ضبط الإيقاع واللاتماثل المتقدم
هنا نصل إلى جوهر اللعبة الاستراتيجية. إيران تملك ما لا يملكه الآخرون: ضبط الإيقاع. هذا السلاح الأخطر في المنظومة الإيرانية لا يُرى في صور الأقمار الصناعية، ولا يُرد بضربة جوية، ولا يُفاوض عليه في جنيف. إيران لا تحتاج أن تفوز، بل تحتاج فقط أن لا تخسر حتى يُرهق خصومها.
نظرية اللاتماثل الإيرانية في هذه اللحظة واضحة: إيران تنتظر وتستنزف. ترامب يحتاج "صفقة القرن النووية" قبل 2026. نتنياهو يحتاج انتخابات قبل انهيار ائتلافه. كلاهما يتحرك بدافع الضرورة الداخلية. بينما إيران تتحرك بمنطقها الاستراتيجي الخاص بها. الفارق الحضاري في صنع القرار كبير: إيران تفكر بعقد، ترامب يفكر بدورة انتخابية، نتنياهو يفكر باستطلاعات الرأي.
ترامب سيعاني أكثر من نتنياهو. الضغط الداخلي على ترامب يتمثل في الاقتصاد والتضخم والحروب التجارية، بينما نتنياهو تخفف عنه الانتخابات الضغط مؤقتًا. ترامب لا يتحمل أي إخفاق، بينما نتنياهو يمكنه الخسارة والعودة. ترامب يخسر وقتًا كل يوم تأخير، بينما نتنياهو يكسب وقتًا بالانتخابات. ورقة الضغط الإيرانية مباشرة على ترامب وتُحرجه أمام قاعدته، بينما هي غير مباشرة على نتنياهو. ترامب وعد قاعدته بـ"لا حروب جديدة" و"صفقات كبرى"، وإيران تجعل كلا الوعدين متناقضين.
الهروب إلى الأمام هو الفكرة المحورية. تقديم الانتخابات الإسرائيلية هو هروب مشترك لنتنياهو وترامب من استحقاق إيران. هذا صحيح لأن إسرائيل في انتخابات تعني لا قرار حرب إسرائيلي على إيران. ترامب يتفاوض منفردًا، ويتحمل نتيجة أي اتفاق أو فشل. إيران تعلم هذا وتنتظر، وتضغط على ترامب بالوقت لا بالسلاح.
النتيجة الاستراتيجية الأعمق هي أن إيران نجحت في شيء نادر تاريخيًا: جعلت خصمها الأقوى عسكريًا (أمريكا وإسرائيل) يُعيد رسم أجندته الداخلية استجابةً لإيقاعها هي، لا لإيقاعه هو. هذا هو انتصار "اللاتماثل المتقدم". ليس انتصارًا في المعركة، بل انتصار في تحديد من يتحكم في ساعة اللعبة. والأخطر أن الهروب إلى الأمام سلاح ذو حدين. يؤجل الأزمة، لكنه يضاعف ثمنها عند الاستحقاق.
أسئلة مفتوحة
هل تقديم الانتخابات الإسرائيلية ترك ترامب يتحمل المسؤولية في ملف إيران لوحده؟ وهل هذا "السباق الاستنزافي" في الفضاء المالي-الرقمي هو امتداد طبيعي لـ"الاستنزاف الآلي" العسكري ؟ وهل بريكس تملك "الإرادة" لملء "فجوة القوة" أم أنها ستبقى "فائض قوة معطل" مثل أمريكا؟ هذه أسئلة جوهرية، تُحدد ملامح المشهد القادم.










