تتصاعد حدة الحرب الكلامية التي تخوضها الإدارة الأمريكية في مواجهة التغطية الإعلامية الغربية للحرب في الشرق الأوسط، حيث شن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجوما حادا وجديدا على كبريات المؤسسات الصحفية في بلاده.
وعبر حسابه الرسمي على منصة "إكس"، اختار الرئيس الأمريكي استخدام لغة تهكمية بالغة القسوة ليؤكد أن التحيّز الإعلامي ضده وضد السياسات الأمريكية وصل إلى مرحلة يرفض فيها الاعتراف بالحقائق العسكرية على الأرض، معتبراً أن المنصات الإخبارية الشهيرة مستعدة لتزييف الواقع وتصوير الهزيمة الإيرانية الكاملة على أنها انتصار ساحق لمجرد النكاية السياسية في إدارته.
وتأتي هذه التصريحات النارية في وقت يتسم بالغموض الميداني والسياسي، إذ اندلعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في نهاية شهر فبراير الماضي، قبل أن تتوقف بعد أسابيع قليلة بموجب هدنة هشة لا تزال القوى الدولية تترقب تحولها إلى اتفاق نهائي.
وفي هذا السياق المعقد، يرى مراقبون أن ترامب يسعى لاستباق أي قراءة نقدية للمسار العسكري عبر تقويض مصداقية الصحافة التقليدية، وتثبيت رواية تفوق واشنطن المطلق في الوجدان العام، بعيداً عن التحليلات والتقارير التي تنشرها وسائل الإعلام الكبرى حول كلفة النزاع أو حدود الإنجاز العسكري.
تشكيك في نزاهة التغطية
وضع الرئيس الأمريكي سيناريو تخيلياً شديد التطرف والمبالغة ليعبر من خلاله عن عمق فجوته مع المؤسسات الصحفية، حيث أشار إلى أنه حتى في حال استسلام طهران الكامل، واعترافها الصريح بالغرق التام لأسطولها البحري في قاع البحر، وانهيار قوتها الجوية بالكامل، وخروج جيشها من العاصمة طهران رافعاً الرايات البيضاء ومردداً عبارات الخضوع، فإن التغطية الإعلامية لن تتبنى الحقيقة. ويرى ترامب أن الماكينة الإعلامية التي يصفها بالفاسدة تعمل وفق أجندة مسبقة لا علاقة لها بالواقع العسكري، بل تهدف أساساً إلى إضعاف الموقف السياسي للبيت الأبيض وتشويه إنجازاته الخارجية.
ولم يتردد ترامب في تسمية المؤسسات التي يستهدفها بهجومه، مشيراً بالاسم إلى ما وصفها بـ "صحيفة نيويورك تايمز الفاشلة"، ومطلقاً اسماً ساخراً على وول ستريت جورنال بـ "تشاينا ستريت جورنال" في إشارة مبطنة لاتهامها بالتبعية للمصالح الخارجية، بالإضافة إلى قناة "سي إن إن" التي اعتبرها فاقدة للمصداقية. ووفقاً لرؤيته، فإن هذه الشبكات التي دأب على وصفها بمنصات "الأخبار الكاذبة"، ستقوم بتصوير توقيع القادة الإيرانيين على وثائق الاستسلام أمام القوة العظيمة لأمريكا وكأنه نصر باهر وغير مسبوق حققته طهران، مؤكداً أن العداء السياسي الداخلي بات يوجه التغطية الصحفية للحروب والنزاعات الدولية.
كواليس الضغط الدبلوماسي والعسكري
على الجانب الآخر من المشهد المحتقن، تبدو المؤشرات الدبلوماسية والعسكرية متجهة نحو مزيد من التصعيد، حيث نقلت تقارير إعلامية عن مصدر أمريكي مسؤول ومطلع أن الرئيس ترامب يميل بشكل متزايد نحو الخيار العسكري المباشر، بعد أن بدأ صبره ينفد تجاه المناورات السياسية الإيرانية. وتتزامن هذه التسريبات مع تصريحات أدلى بها مسؤول أمريكي رفيع المستوى، أكد فيها بشكل حاسم أن العرض الإيراني الجديد المدمج في مسار المفاوضات لا يرضي التطلعات الأمريكية ولا يفي بالشروط التي تضعها واشنطن لضمان الأمن الإقليمي وتفكيك القدرات المهددة لحلفائها.
وفي إطار سياسة الحصار الشامل والإجراءات العقابية الصارمة التي تفرضها الإدارة الأمريكية لقطع شرايين الاقتصاد الإيراني، وجهت واشنطن ضربة اقتصادية وقانونية جديدة استهدفت أطرافاً دولية تتعامل مع طهران. فقد أعلنت السلطات الأمريكية عن فرض غرامة مالية باهظة على شركة هندية كبرى بعد ثبوت انتهاكها للعقوبات المفروضة ضد إيران، مما يعكس إصرار واشنطن على تطبيق استراتيجية "الضغط الأقصى" مالياً بالتوازي مع التهديدات العسكرية المستمرة، لضمان عزل النظام الإيراني بشكل كامل ودفع الأطراف الدولية والشركات العالمية إلى الالتزام الصارم بالقرارات الأمريكية.
مسارات إقليمية مغايرة
بعيداً عن أجواء الحروب والاضطرابات العسكرية التي تخيم على منطقة الخليج والعراق، تشهد الساحة العربية تحركات تنموية وثقافية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاجتماعي وبناء جسور التعاون السلمي. وفي هذا الإطار الـمشرق، قام العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، برفقة البطريرك ثيوفيلوس الثالث، بطريرك المدينة المقدسة وسائر أعمال الأردن وفلسطين، بتدشين أول جامعة مسيحية في تاريخ المملكة الأردنية الهاشمية، في خطوة وصفتها الأوساط الثقافية والسياسية بالتاريخية والمحورية لدعم قيم التعددية والتعايش الإنساني.
وتسعى هذه المؤسسة الأكاديمية الجديدة إلى تقديم تعليم متميز يجمع بين الكفاءة العلمية والقيم الروحية، مما يسهم في ترسيخ الهوية العربية المسيحية الأصيلة كجزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي للمنطقة. ويأتي هذا الحدث ليعكس الرؤية الأردنية في مواجهة خطاب التطرف والنزاع من خلال الاستثمار في التعليم وبناء الإنسان، وتقديم نموذج عملي للسلام والتآخي في الشرق الأوسط، بالتوازي مع الجهود الدبلوماسية المستمرة التي تبذلها عمان للحد من تداعيات الحروب الإقليمية وحماية الاستقرار في الجوار العربي.







