لقد كتب الروائي جورج أورويل في رائعته "1984" محذراً: "إن غاية الكذب ليس إقناع الناس بصحة معلومة خاطئة، بل التأكد من أن أحداً لن يصدق أي شيء بعد الآن". لاسيما وإننا اليوم في ظل مشهد سياسي عالمي مضطرب، يبدو أننا بحاجة إلى قسم مماثل للدفاع عن "الحق في الحقيقة". نشهد تشريحاً لخطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لنكتشف أننا لسنا أمام مجرد "سياسي يكذب"، في حقيقة التصريحات السياسية ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة وجودية لحماية الديمقراطية من الانهيار تحت وطأة الأكاذيب المتراكمة، وكأننا أمام معمار استراتيجي متكامل صُمم لهدم الأسس المنطقية للخطاب العام، واستبدال "الحقيقة الموضوعية" بـ "سلطة الادعاء"، وُصف بأنه "كذب متسلسل" وغير مسبوق في التاريخ السياسي الأمريكي.
ولعل ما أثاره ترامب مؤخراً على منصته تروث سوشيال بنشر صور فكاهية ومصممة بواسطة الذكاء الاصطناعي (AI) تظهره في قواعد عسكرية وبجانبه كائن فضائي نمطي مكبل اليدين. ساخرة في أسلوبه المعتاد لمخاطبة وتسلية متابعيه على منصات التواصل، يرتكز على عدة استراتيجيات نفسية تخدم تواصله السياسي وبناء صورته الذهنية كـ (إحباط وهدم هيبة القضايا الحساسة كأداة ضغط سياسي ضده من قبل الخصوم - ترسيخ صورة "البطل الحازم والمسيطر - رمزية التكبيلf إظهار الكائن الفضائي مكبلاً بجانبه يرسل رسالة نفسية مبطنة للوعي الجمعي بأنه المُسيطر - عسكرة المشهد - تعزيز الرابط العاطفي والشعبوي لإرضاء القاعدة الجماهيرية - استراتيجية الإلهاء وتحويل الانتباه)، وكُلُها اختلاقات وضلالات تم نزع برقع الحياء عنها في زيرة المدينة المحرمة ليعود بخفي حُنين..
سيمفونية التضليل:
تبدأ بإغراق الساحة في تكتيك حربي للمعلومات المضللة، فلم تكن آلاف الأكاذيب التي وثقها مدققو الحقائق (التي بلغت 30,573 ادعاءً مضللاً بمعدل 21 ادعاءً يومياً) لا مجرد زلات عفوية، بل هي تطبيق عملي لاستراتيجية وصفها ستيف بانون بـ "إغراق الساحة بالمعلومات المضللة". والهدف من هذا "السيل" ليس الإقناع، بل "الإرهاق". فعندما تتوالى الأكاذيب بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات الإعلامية على التصحيح، يتوقف الجمهور عن المتابعة، وتصبح الحقيقة ضحية للتشتت.
11 سبتمبر وبراءة العرب:
ولنرى بالدليل عندما يدعي ترامب مثلاً أنه رأى آلاف العرب يهتفون في نيوجيرسي يوم 11 سبتمبر، أو أن مبناه في "40 وول ستريت" أصبح الأطول بعد سقوط البرجين، فهو لا يقدم حقائق تاريخية، بل يمارس "تشتيتاً منظماً" يمنع بروز أي حقيقة جوهرية، ويحول دون إثارة جدل طويل حول فعل واحد؛ لأن "الكذبة التالية" تكون قد وصلت بالفعل إلى الميكروفون.
ومن التناقضات في خطابه حول حرب إيران الحالية ليست صدفة، بل هي امتداد لسياسة "المبالغة الصادقة" التي تمارس "الهيمنة" عبر إغراق الجمهور بوعود النصر السهل والاستسلام الوشيك، بينما تخفي وراءها تعقيدات ميدانية وتسريبات استخباراتية تنذر بواقع مختلف تماماً. فعندما يتحدث ترامب عن "صمود أمريكا" الأسطوري في وجه "ضعف إيران"، فإنه يتجاهل التعقيدات الجيوسياسية وشرايين التجارة البحرية التي يمكن أن تتضرر. إذاً الوعي النقدي هنا يقتضي ألا نصدق "المحو اللفظي" للمواقع، بل أن نبحث عن "الحقيقة المختبئة" في فجوات التصريحات الرسمية، التي تكون من الخطورة أن يدفع المتلقي -وحتى صانع القرار- إلى سوء تقدير الحسابات، مما يحول الحرب من أداة سياسية إلى كارثة مفتوحة الاحتمالات.
المبالغة وما بعد الحقيقة:
تعود جذور نهجه إلى كتابه الأيقوني "فن الصفقة"، حيثُ ابتكر كاتب الظل توني شوارتز مصطلح "المبالغة الصادقة" كقناع أخلاقي لخداع ترامب. وهو من ادعى أن حرب إيران شارفت على الانتهاء وأميركا متفوقة بـ"فارق كبير".
وقد استهلك الجيش الأمريكي ذخائر بقيمة أكثر من خمس مليارات دولار ويحتاج لأضعافها، واستلم جثثاً لجنوده خلافاً لضياع الثقة فيه داخلياً وخارجياً.. فهذا التناقض البنيوي يضع الاستراتيجية الأمريكية في مأزق؛ فكيف يمكن فرض "الاستسلام المطلق" على دولة بحجم إيران دون تدخل بري؟، فمثل هذا الخطاب يهدف إلى إرضاء القواعد الشعبية المتعطشة للقوة، دون تحمل التبعات السياسية أو العسكرية الحقيقية لتلك القوة، هنا، نرى انتقالاً من "الصدق بالحقائق" إلى "الهيمنة بالصورة"؛ فالهدف ليس تدمير الهدف عسكرياً بقدر ما هو تدمير الروح المعنوية للمتلقي وإيهامه بقدرة أمريكية مطلقة، حتى لو كانت صور الأقمار الصناعية تشير إلى عكس ذلك. لكن ما بدأ في عالم العقارات كـ "شكل بريء من المبالغة"، تحول في البيت الأبيض إلى مفهوم "ما بعد الحقيقة". هنا، تصبح الأيديولوجيا أقوى من الأدلة. وكما جادلت المحللة ماشا جيسن، فإن الهدف من كذب ترامب هو إظهار القوة: "أنا أكذب لأنني أملك السلطة التي تمكنني من فرض روايتي، حتى لو كانت الكاميرات تثبت العكس".. وكأن الأسرة الدولية لا تراه كمن تفعل خطيئة.
لماذا يصدق الناس الكاذبين؟.
طرحت الأبحاث الأكاديمية الحديثة رؤية صادمة: الكثير من مؤيدي ترامب لا يعتبرونه كاذباً، بل يرونه "صادقاً للغاية"، والسر يكمن في التمييز بين "الصدق الواقعي" (الدقة في الأرقام) و"الصدق التعبيري"، كادعاءاته المُضللة حول المهاجرين أو تزوير الانتخابات، فهو يلمس "حقيقة عاطفية" لدى قاعدته، مما يجعل "الخطأ في الواقع" تضحية مقبولة في سبيل "الصدق في الموقف"، وهو ما يفسر لماذا لم تؤثر آلاف التصحيحات في شعبية ترامب؛ فالمعركة ليست على "الأرقام"، بل على "الولاء". فعن أي "حقيقة" نتحدث؟.
في السياسة الحديثة، نعيش في زمن لم تعد فيه الحقيقة "مقدسة"، بل أصبحت "وجهة نظر" أو "خياراً استهلاكياً"، كإمرأة لعوب أو طبيبة نفسية تتلاعب بالصدق، وهي كذوب تُصدق نفسها فقط لاشباع رغباتها الجامحة، فعندما تُطمس الحقائق التاريخية (مثل لوحة "نهر الدم" الملحقة بناديه للغولف والتي تزعم معارك لم تحدث قط)، فإننا لا نفقد التاريخ فحسب، بل نفقد المعيار الذي نحاسب به السلطة., وبالتالي "هوس الولاء" هو ما يُميز رئاسة ترامب، وتشكيكه المستمر في مؤسسات العدالة، والتي تعكس رغبته في تحويل الدولة إلى "مؤسسة شعبوية" كبيرة، حيث الحقيقة هي ما يقوله الزعيم، والولاء هو البديل عن الكفاءة والشفافية، التي نراها في فجوة "التهديد الوشيك لإيران"، وتناقض الرواية الرسمية له مقابل تسريبات البنتاغون أمام الكونغرس بأنه "لا توجد معلومات استخباراتية" تؤكد ذلك.
إن أكاذيب ترامب المتواصلة ليست مجرد مشكلة أمريكية؛ إنها وباء عالمي ألهم قادة آخرين لاستخدام "سيل الأكاذيب" لتحصين أنفسهم. لذا، فإن استعادة الصدق إلى الساحة السياسية ليست مجرد "خيار أخلاقي"، بل هي ضرورة للدفاع عن الديمقراطية، ولا يمكن للمجتمعات أن تعيش في ظل "الهراء" بالمفهوم الفلسفي لهاري فرانكفورت- حيث لا يكترث المتحدث أصلاً بالفرق بين الصدق والكذب، بل يهتم فقط بالتأثير الذي يتركه، وهذا الوضع يعزز "البربرية الحديثة" ويمهد الطريق لشعبوية الاستبداد الذي يزدهر في بيئات حبارى التزييف.
إننا بحاجة ماسة إلى إعادة الصدق إلى مكانته الأخلاقية المركزية في السياسة، كما أن علينا تطوير لغة سياسية جديدة تعزز المسؤولية الاجتماعية والخيال المدن، إضافة لبناء حركات اجتماعية قادرة على تحدي الكابوس "الديستوبي" الذي يهدد حبارى الديمقراطيات. فمن يفعلها ونحنُ بعصر الفتونة (رُب البيت بالدُف ضارباً)؟.
وقفة لحصانة المجتمع:
يبقى الوعي السياسي هو خط الدفاع الأول، وكما قالت الفيلسوفة حنة أرندت: "الحقيقة الموضوعية هي الكابوس الذي يخشاه الطغاة"، وتحصين المجتمع من الضلالات الإعلامية يبدأ برفض "المبالغة الصادقة" والتمسك بالحقائق الصلبة، مهما كانت مريرة، ولله الحمد أهدانا الله الفراسة في عروبتنا لنعي من الصادق ومن الكاذب، فلعن الله من حول السياسة لـ"فن للاحتِيال"، وجعل الديمقراطية بدون حقائق هي جسد بلا روح. كما يجب أن ندرك أن "مسرح الأكاذيب" حبور لا يقوض السياسة فحسب، بل يقوض إنسانيتنا المشتركة، وكما حذرت المؤرخة كارين غرينبيرغ، فإن "قمع اللغة وإطفاؤها يفتح الباب أمام الفاشية". لذا، فإن التمسك بالحقيقة ليس خياراً سياسياً، بل هو فعل دفاعي عن كرامتنا وحقنا في مستقبل ديمقراطي حر.. @drIbrahimgalal




