تُعالج هذه الورقة البحثية إحدى أبرز الإشكاليات الداخلية في المشهد السياسي الإسرائيلي المعاصر، والمتمثلة في أزمة تجنيد طائفة الحريديم في الجيش الإسرائيلي، وانعكاسات ذلك على استقرار الائتلاف الحكومي بقيادة بنيامين نتنياهو، واحتمال التوجه إلى انتخابات مبكرة في عام 2026. يعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي والمنهج المؤسسي المقارن، ويخلص إلى أن عجز نتنياهو عن حسم ملف التجنيد قد يدفعه نحو حل الكنيست كأداة لإعادة ترتيب الأوراق السياسية.
المقدمة
تُمثّل قضية تجنيد طائفة الحريديم اليهودية المتشددة في الجيش الإسرائيلي واحدةً من أبرز العقد السياسية والهوية التي تواجهها إسرائيل في المرحلة الراهنة، لا سيما في ظل حكومة ائتلافية بقيادة بنيامين نتنياهو تتصاعد داخلها الخلافات حول هذا الملف الشائك. ففي الوقت الذي يخوض فيه الجيش الإسرائيلي المحتل حرباً متعددة الجبهات منذ عملية 'طوفان الأقصى' في أكتوبر 2023، تعود قضية تجنيد الحريديم إلى الواجهة بقوة، لتتحول من ملف قانوني عالق بين أروقة المحاكم إلى بؤرة صراع مركزي تهدد بانهيار الائتلاف الحكومي وإعادة إسرائيل إلى انتخابات مبكرة.
يكتسب هذا البحث أهميته من كونه يدرس إحدى العقد الجوهرية في السياسة الإسرائيلية المعاصرة، وتتلخص إشكاليته في السؤال الرئيسي التالي: ما طبيعة تأثير أزمة تجنيد الحريديم على استقرار الائتلاف الحكومي بقيادة بنيامين نتنياهو، وكيف تسهم في دفع إسرائيل نحو انتخابات مبكرة محتملة في 2026؟ ويتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة فرعية تتناول الأبعاد النظرية لأزمة الحريديم داخل الدولة، وانعكاسات الأزمة على السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية والعمل الإقليمي.
ينطلق البحث من فرضية مفادها أن أزمة تجنيد الحريديم قد تحولت إلى محدد أساسي من محددات العمر السياسي للائتلاف الحالي، وأن عجز نتنياهو عن حسم الخلافات حول قانون التجنيد يجعله مضطراً للموافقة على انتخابات مبكرة، في محاولة لإعادة ترتيب أوراقه السياسية وتفكيك الائتلاف قبل أن ينهار من الداخل.
اعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي لتتبع تطورات الأزمة، والمنهج المؤسسي المقارن لتحليل الانقسامات داخل الحريديم، متوخياً الموضوعية والدقة في عرض المعلومات المدعومة بالمراجع والشواهد.
أولاً: الإطار النظري: الحريديم والدولة الإسرائيلية
يُعدّ صعود الحريديم كقوة ديموغرافية وسياسية مؤثرة أحد أبرز التطورات في المجتمع الإسرائيلي خلال العقود الأخيرة. وفقاً لتقديرات إسرائيلية رسمية، تصل نسبة الحريديم حالياً إلى حوالي 15% من إجمالي سكان إسرائيل، ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى ثلث السكان بحلول عام 2050، بفعل ارتفاع معدلات الولادة وانخفاض سن الزواج وانتقال أعداد متزايدة من اليهود المتدينين إلى صفوف الحريديم.
هذا الوزن الديموغرافي المتصاعد يُترجم مباشرة إلى قوة انتخابية في النظام السياسي الإسرائيلي القائم على القوائم النسبية، حيث تشكّل الكتلة الحريدية التي تمتلك 6–10 مقاعد في الكنيست من أصل 120 مقعداً عنصراً مفصلياً قادراً على ترجيح كفة أي ائتلاف حكومي يميني أو يميني – وسط، وهو ما جعل الأحزاب الحريدية أبرز 'القوة المفصلية' في المشهد السياسي الإسرائيلي منذ عقود.
أمّا البعد الهوياتي للأزمة فيتمثل في رفض الحريديم للخدمة العسكرية وتقديسهم لدراسة التوراة التي يرونها 'تجنيداً روحانياً' يفوق في قيمته وأهميته أي خدمة عسكرية. وقد أسسوا لهذا الموقف بالاستناد إلى 'أمر الإرجاء' المعروف باسم 'توراتو أمنوتو' (دراسته هي مهنته)، الذي صدر في عهد دافيد بن غوريون عام 1948، والذي كان يُفهم ضمنياً على أنه إعفاء دائم لطلاب المعاهد الدينية.
على المستوى القضائي، مرّ ملف تجنيد الحريديم بمراحل عدة، ففي 2012 حاولت المحكمة العليا تنظيم هذا الملف عبر قرار طعن في دستورية قانون الإعفاء، تلاه قرارات في 2017 وصولاً إلى القرار المفصلي في 25 يونيو 2024، عندما قضت المحكمة العليا بأنه لا يوجد أساس قانوني لمنع الحكومة من تجنيد الحريديم، وأمرت الجيش بالبدء فوراً في تجنيد ثلاثة آلاف منهم. وقد أسهم هذا القرار في تحويل الخلاف من ملف تنظيمي يُدار بالتفاهمات السياسية إلى قضية هوياتية كبرى، تدخلت فيها السلطة القضائية بشكل أثار حفيظة الحريديم ودفعهم إلى التصعيد.
ثانياً: الانقسامات داخل الحريديم حول التجنيد ونتنياهو
1. المدرسة الحريدية البراغماتية
تمثِّل هذه المدرسة قيادات حزب 'شاس' الحريديم السفارديم وأجزاء من حزب 'يهدوت هتوراه' الحريديم الأشكناز إضافة إلى تيارات ليتوانية معتدلة. تسعى هذه القوى إلى الحفاظ على الإعفاء أو تخفيفه لأقصى حد ممكن، وتجعل منه شرطاً لبقائها في الائتلاف، لكنها تبدي مرونة في التعامل مع التحديات القضائية والضغوط العلمانية، وتفضّل التفاوض الهادئ مع نتنياهو الذي تعتبره الشريك السياسي الأقرب لضمان الحد الأدنى من الصفقات.
حرص 'شاس' بشكل خاص على البقاء ضمن معسكر نتنياهو رغم دعمه لحل الكنيست، لكنه اشترط تسوية مكانة طلاب التوراة للمشاركة في أي حكومة مقبلة. هذه البراغماتية تفسر استمرار الحزب في اللعبة السياسية رغم التهديدات بالانسحاب التي يطلقها بين الفينة والأخرى.
2. المدرسة الحريدية المتشددة
تمثِّل هذه المدرسة حزب 'ديجل هتوراه' بقيادة الحاخام دوف لاندو، وأجزاء متشددة أخرى من 'يهدوت هتوراه'. ترفض هذه القوى أي قانون يُلزم الحريديم بالخدمة العسكرية الإلزامية، حتى لو كان جزئياً أو رمزياً، معتبرة ذلك خيانة لهويتها وضرباً لقدسية 'التوراة كدستور الدولة'. وقد هددت هذه التيارات مراراً بإسقاط الحكومة والتوجه إلى انتخابات مبكرة إن لم يُسنّ قانون يعفيهم من الخدمة، وصولاً إلى انسحاب حزب 'ديجل هتوراه' من معسكر نتنياهو ودعمه الانتخابات المبكرة في مايو










