19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

بين الردع بالإنهاك ومزدوجة العجز: لماذا لا يملك القوي قرار الحرب ولا الضعيف قرار السلام؟

يتناول هذا التحليل المشهد السياسي-التفاوضي الراهن، مستعرضًا ديناميكيات القوى الفاعلة وتأثيراتها المتبادلة، مع التركيز على مفهوم "فائض القوة المعطل" و"اللامتناظرة المتقدمة".

بقلم: د. محمد خليل مصلح
٢٥ مايو ٢٠٢٦
9 دقائق قراءة
33 مشاهدة
ترامب ونتنياهو وحرب إيران

ترامب ونتنياهو وحرب إيران

يتناول هذا التحليل المشهد السياسي-التفاوضي الراهن، مستعرضًا ديناميكيات القوى الفاعلة وتأثيراتها المتبادلة، مع التركيز على مفهوم "فائض القوة المعطل" و"اللامتناظرة المتقدمة". الهدف هو تقديم قراءة منطقية للأحداث الجارية بعيدًا عن التفسيرات السطحية.

موقف ترامب: "الوقت يعمل لصالحنا" واعتراف ضمني بالاستنزاف الآلي

عندما يصرح الرئيس ترامب بأن "الوقت يعمل لصالحنا" ويطلب من ممثليه عدم التسرع، فإنه يعيد إنتاج خطأ استراتيجي تاريخي يتمثل في الاعتقاد بأن الزمن أداة ضغط، بينما هو في الواقع عامل استنزاف. الحصار الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة على إيران، والذي يراه ترامب ورقة ضغط، يتحول في المنطق الاستراتيجي إلى "استنزاف مُسرّع" معكوس. فإيران لا تنتظر رفع الحصار، بل تستغله كوقود لتطوير قدراتها غير المتماثلة، مثل المسيرات والصواريخ الكروز والوكلاء الإقليميين. كل يوم يمر دون اتفاق، يؤدي إلى تراكم "فائض القوة المعطل" لدى أمريكا (قدرة عسكرية هائلة لا تُترجم إلى مكاسب سياسية) وتآكل "القدرة على المفاجأة" لدى إسرائيل.

المنطق: يعتقد ترامب أنه يمارس "الضغط الاقتصادي"، لكنه في الحقيقة يمارس "ردعًا بالإنهاك" ضد مصالحه. فكلما طالت المفاوضات، زادت التكلفة السياسية والنفسية على الولايات المتحدة، وتآكلت علاقاتها مع الحلفاء.

نتنياهو: تعمق "مزدوجية العجز"

إن الاجتماع الأمني "الطارئ" الذي عقده رئيس الوزراء نتنياهو مع رؤساء الأحزاب وكبار المسؤولين الأمنيين لا يمثل تخطيطًا للحرب، بل هو أشبه باجتماع "إدارة انهيار". عندما يصرح نتنياهو بأنه "اتفق مع ترامب على تفكيك منشآت التخصيب"، ثم يعترف في محادثات مغلقة بأن "قدرة الكيان على التأثير على ترامب أصبحت محدودة"، فإنه يقر ضمنيًا بفقدان السيطرة على "خيوط" ترامب التكتيكية التي كان يديرها سابقًا عبر "التحميل" (تجنب المسؤولية) و"الاستعراض" (الحرب النفسية).

المنطق: تحول ترامب من "أداة" في يد نتنياهو إلى "رهينة" لمنطق الصفقة. هنا تتجلى "اللامتناظرة المعكوسة" بأبسط صورها: إيران لم تُهزم عسكريًا، لكنها نجحت في جعل القوي أمريكا يتصرف بما لا يريده القوي المُعلن إسرائيل. يحتاج نتنياهو إلى حرب كـ"هروب إلى الأمام" من مأزقه الداخلي محاكمات، احتجاجات، انهيار الجبهة الداخلية. لكن ترامب، الذي يعاني من "فائض القوة المعطل"، يخشى التكلفة السياسية للحرب أكثر من "الصفقة السيئة". لذا، يجد نتنياهو نفسه عاجزًا عن "جعل" ترامب يحارب، وعاجزًا عن "منعه" من التفاوض.

"اتفاق سيئ للكيان": شراء هدوء مؤقت مقابل تهديد طويل الأمد

وصف قادة الجيش الإسرائيلي للاتفاق بأنه "سيئ" و"شراء هدوء مؤقت مقابل تهديد طويل الأمد" هو تعبير عسكري صريح عن "جيوسياسة العجز". يدرك الجيش الإسرائيلي أن أي اتفاق يُبقي إيران على "عتبة النووي" (من حيث المعرفة والبنية التحتية والمواد المخصبة) يعني أن إيران تطبق "ردعًا بالإنهاك" لا "ردعًا بالضربة القاضية". فإيران لا تهدد بتدمير تل أبيب غدًا، بل تهدد بالبقاء "قابلة للوصول" إلى السلاح النووي إلى الأبد، مع الاحتفاظ بـ"الضربة التذكيرية" (مثل ديمونا) كرسالة نصية تبطل الخطاب السياسي الكاذب.

المنطق: "الهدوء المؤقت" الذي يشتريه ترامب ليس هدوءًا، بل "استنزاف مُسرّع" سياسي. فكل يوم تبقى فيه إيران على عتبة النووي، تتراجع فيه "القدرة على الردع" الإسرائيلية، وتزداد "الفجوة بين القوة والإرادة" لدى أمريكا.

 توسيع "إبراهام" ودور الخليج: محاولة أمريكية لـ"تجميد" الإقليم

إن اقتراح السيناتور غراهام بتوسيع اتفاقيات التطبيع لتشمل السعودية وقطر وباكستان هو محاولة أمريكية لتحويل "الصفقة" من "تفاوض ثنائي" إلى "إعادة ترتيب إقليمية". لكن دول الخليج تشعر بـ"التهميش" وفقًا لـ i24 لأنها تدرك أن هذا التوسيع ليس "مكافأة" لها، بل "تحميل" للمسؤولية. فالولايات المتحدة تريد تحويل "فائض القوة المعطل" الخاص بها إلى "فائض قوة معطل" خليجي: دول تدفع ثمن الحماية الأمريكية دون أن تملك قرار الحرب أو السلام.

المنطق: "إبراهام" الموسعة هي نسخة دبلوماسية من "الاستنزاف الآلي". فبدلاً من أن تدفع أمريكا ثمن المواجهة مع إيران، تحول الثمن إلى الخليج، وتبقي إيران "محاصرة" دبلوماسيًا لا عسكريًا. لكن هذا يفترض أن الخليج يقبل أن يكون "وكيلًا" بلا مقابل، وهو ما يتعارض مع منطق "اللامتناظرة المتقدمة" التي تعتمد على "فائض" الضعيف المساحة، الوقت،محور المقاومة.

إيران: بين "التأجيل" والتصعيد التكتيكي

إن تصريح وكالة تسنيم بأن "الولايات المتحدة لا تفي بالتزاماتها" و"قد نؤجل الاتفاق" هو "ضربة تذكيرية" سياسية، توازي "الضربة التذكيرية" العسكرية (مثل ديمونا). تقول إيران لترامب: "نحن نملك الوقت، وأنت تملك 'فائض القوة المعطل'. إذا أردت الصفقة، فالشروط تتغير كل يوم". وهذا هو "الاستنزاف المُسرّع" في البعد التفاوضي: ضغط 20 عامًا من مفاوضات النووي في 20 أسبوعًا عبر تصريحات يومية متواصلة تستنزف النفسية الأمريكية.

المنطق: لا تنتظر إيران "الموافقة" من خامنئي، بل تجبر أمريكا على "الاستعجال" الذي يضعف موقفها. فكلما قال ترامب "لا تتسرعوا"، زادت إيران من "التأجيل"، مما يضعف ترامب داخليًا اليمين الأمريكي يريد "صفقة قوية" ويضعف نتنياهو خارجيًا لا يستطيع الاعتماد على "الضربة الأمريكية".

الخلاصة الاستراتيجية:

ما نشهده ليس مجرد "تقلبات"، بل "تكتيكات متقاطعة" تُدار بمنطق اللامتناظرة المتقدمة، ويمكن تلخيصها كالتالي:

  • إيران: تعتمد على "الردع بالإنهاك" و"الضربة التذكيرية" و"الاستنزاف المسرع"، مما يجبر القوي على التفاوض بشروط الضعيف.
  • ترامب: يعاني من "فائض قوة معطل" ويسعى لـ"صفقة" كهروب من التكلفة، مما يجعله يخسر الوقت والنفوذ على الحلفاء.
  • نتنياهو: يواجه "مزدوجية العجز" و"إدارة انهيار"، مما يجعله عاجزًا عن شن الحرب أو تحقيق السلام.
  • الجيش الإسرائيلي: يدرك "الفجوة بين القوة والإرادة"، ويعلم أن "الهدوء المؤقت" هو استنزاف طويل الأمد.

السؤال البحثي المفتوح: هل نحن أمام "حرب غير مقصودة" بسبب محاولة نتنياهو، في لحظة يأس، "صناعة" ضربة تجبر ترامب على التصعيد، أم أن "الاستنزاف الآلي" المسيرات، الصواريخ، الوكلاء سيبقي المواجهة في دائرة "اللامتناظرة المعكوسة" دون حرب شاملة؟

الوضع الحالي 24 مايو 2026:

موافقة إيرانية مبدئية: نقل باراك رافيد من القناة 12 وAxios عن مسؤول أمريكي رفيع أن مجتبى خامنئي وافق على الإطار العام للاتفاق، لكن النسخة النهائية تحتاج عدة أيام للمرور بالموافقات داخل النظام الإيراني. البيت الأبيض لا يتوقع توقيعًا اليوم. يتطابق هذا مع تصريحات أمريكية رسمية حديثة.

نقاط الخلاف الرئيسية وفقًا لدافنا ليئيل:

  • حرية العمل العسكري الإسرائيلي: إسرائيل تطالب بضمان صريح أمريكي بعدم تقييد عملياتها خاصة في لبنان ضد حزب الله، وإيران ترفض بشدة.
  • الأصول المجمدة: إيران تريد إطلاقها فورًا، بينما تربطها أمريكا بالتوقيع النهائي.

موقف إسرائيل: أرسل إيال زامير رئيس الأركان رسالة واضحة مفادها أن الجيش جاهز للعودة إلى قتال مكثف وتوسيع الضربات ضد "نظام الإرهاب الإيراني" إذا لزم الأمر. يعكس هذا عدم الثقة الإسرائيلية الكاملة في الاتفاق، واستعدادًا لسيناريو فشله أو عدم رضاها عنه.

السياق الأوسع: هناك تقدم حقيقي نحو اتفاق إطاري ينهي الحرب الحالية أو يمدد وقف إطلاق النار، يشمل تجميد تخصيب اليورانيوم، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع جزئي للعقوبات، وإطلاق بعض الأصول. لكن قضايا مثل النووي مخزون اليورانيوم المخصب عاليًا والضمانات طويلة الأمد ما زالت نقاطًا صعبة.

تقييم الوضع: الاتفاق محتمل في الأيام القادمة، لكنه هش جدًا. إسرائيل غير راضية تمامًا وستحاول التأثير على النسخة النهائية. النظام الإيراني بطيء في اتخاذ القرارات الكبرى، خاصة في المرحلة الانتقالية بعد علي خامنئي.

التأثير المتوقع على لبنان وغزة من الاتفاق الأمريكي-الإيراني المحتمل حتى 24 مايو 2026:

لبنان الأكثر تأثرًا مباشرة:

نقطة خلاف رئيسية: تصر إيران على تضمين لبنان في أي اتفاق نهائي (وقف كامل للقتال مع حزب الله)، بينما ترفض إسرائيل وتطالب بـ"حرية عمل عسكري" كاملة ضد حزب الله. هذا الخلاف يعيق الاتفاق النهائي.

الوضع الحالي: توجد هدنة هشة منذ أبريل 2026 10 أيام + تمديدات، لكن الغارات الإسرائيلية مستمرة في الجنوب، وحزب الله يرد بين الحين والآخر. الاتفاق الإطاري قد يؤدي إلى:

  • إيجابي: تثبيت وقف إطلاق نار أوسع، انسحاب جزئي لقوات حزب الله شمال الليطاني، ودعم أمريكي للجيش اللبناني للسيطرة على الحدود.
  • سلبي: إضعاف حزب الله بسبب ضعف الدعم الإيراني المالي والعسكري إذا رفعت العقوبات جزئيًا، مما يفتح الباب لضغوط أكبر على نزع سلاحه أو تقييده،لكن في الاجمال، إيران لن تتخلى عن الحزب لا يمكن أن تساوم عليه.

موقف إسرائيل: أكد رئيس الأركان إيال زامير الاستعداد للعودة إلى قتال مكثف. تخشى إسرائيل أن يمنح الاتفاق حزب الله "تنفساً" لإعادة التسلح.

الخلاصة للبنان: سيخفف الاتفاق التصعيد على المدى القصير، لكنه قد يؤدي إلى صراع داخلي/سياسي حول مستقبل حزب الله وسيادة الدولة.

غزة تأثير غير مباشر لكنه مهم:

الوضع الحالي: توجد هدنة/اتفاق مرحلي منذ أكتوبر 2025، لكن إسرائيل تسيطر على مناطق واسعة، والعمليات مستمرة ضد حماس. تستفيد حماس نسبيًا من استمرار التوتر الإقليمي.
التأثير المتوقع:

  • سلبي لحماس: إضعاف إيران الداعم الرئيسي يقلل الدعم المالي والعسكري لحماس. قد تستغل الولايات المتحدة وإسرائيل الاتفاق للضغط أكثر على نزع سلاح حماس أو فرض إدارة انتقالية.
  • إيجابي نسبي: إذا خف التوتر الإقليمي، قد يزيد الضغط الدولي على إسرائيل للانسحاب أو تسهيل إعادة الإعمار.

لكن التقارير تشير إلى أن حماس أصبحت أكثر تشددًا بسبب "صمود" إيران في الحرب.

الخلاصة لغزة: التأثير أقل مباشرة من لبنان، لكنه يميل لصالح إسرائيل على المدى المتوسط إضعاف محور المقاومة، مع استمرار القتال المحدود.

الصورة العامة:

  • الاتفاق هش ومرتبط بضمانات أمريكية لإسرائيل خاصة في لبنان.
  • تحاول إيران الحفاظ على نفوذها عبر  محورها، لكن الضغط الاقتصادي والعسكري يدفعها للتنازل.
  • إسرائيل غير مرتاحة وتستعد لسيناريوهات بديلة استمرار الضربات. 

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. محمد خليل مصلح

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

بين الردع بالإنهاك ومزدوجة العجز: لماذا لا يملك القوي قرار الحرب ولا الضعيف قرار السلام؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°