في الظاهر، بدا المشهد الذي شهدته القدس هذا الأسبوع مجرد مواجهة ليلية محدودة بين الشرطة الإسرائيلية ومحتجين من الحريديم عقب اعتقال شاب متهم بالتهرب من الخدمة العسكرية.
لكن في العمق، عكس الحادث واحدة من أكثر الأزمات حساسية التي تواجه إسرائيل منذ سنوات: أزمة تتجاوز السياسة اليومية، وتمس مباشرة طبيعة الدولة، وهوية المجتمع، وحدود العلاقة بين الدين والمؤسسة العسكرية.
فالاشتباكات التي اندلعت قرب مركز الشرطة لم تكن مجرد احتجاج على توقيف فرد، بل تعبيرًا مكثفًا عن صراع يتوسع داخل إسرائيل بين نموذجين متناقضين للدولة:
- دولة الأمن والخدمة العسكرية الإلزامية
- ودولة الهوية الدينية التي ترى في التجنيد تهديدًا لبنيتها الثقافية والاجتماعية.
وبين هذين النموذجين، يقف رئيس الوزراء اليميني المتطرف بنيامين نتنياهو أمام معادلة سياسية تبدو أكثر تعقيدًا من أي أزمة واجهها خلال سنوات حكمه الطويلة.
الحرب أعادت فتح الملف الأكثر حساسية
على مدى عقود، تمكنت الحكومات الإسرائيلية من احتواء قضية إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية عبر تسويات سياسية مؤقتة.
لكن الحرب الأخيرة غيّرت السياق بالكامل. فالاستنزاف العسكري المتواصل، واتساع الحاجة إلى قوات الاحتياط، والضغط المتزايد على الجيش، دفعت قطاعات واسعة داخل إسرائيل إلى إعادة طرح سؤال كان مؤجلًا لسنوات:
هل يمكن استمرار نموذج “الجيش الشعبي” بينما يبقى عشرات الآلاف خارج الخدمة العسكرية بصورة شبه كاملة؟
هذا السؤال لم يعد نظريًا. داخل المجتمع الإسرائيلي يتصاعد شعور متزايد بأن العبء العسكري والاقتصادي بات موزعًا بصورة غير متكافئة، خصوصًا لدى الطبقة الوسطى والعائلات التي تشارك بشكل مباشر في الخدمة القتالية والاحتياط.
في المقابل، يرى الحريديم أن أي محاولة لفرض التجنيد تمثل استهدافًا مباشرًا لهويتهم الدينية ولنمط حياتهم المغلق نسبيًا عن الدولة الحديثة.
وهكذا تحولت قضية قانونية إلى أزمة وجودية تمس تعريف المواطنة وحدود سلطة الدولة.
نتنياهو في أضيق مساحة للمناورة السياسية
لسنوات طويلة، نجح نتنياهو في إدارة الانقسامات الإسرائيلية عبر بناء تحالفات مرنة وتوظيف المخاوف الأمنية لتعزيز موقعه السياسي.
غير أن الأزمة الحالية تختلف عن سابقاتها لسبب جوهري: مصدر التهديد هذه المرة داخلي بالكامل.
فائتلافه الحكومي يعتمد بصورة حاسمة على الأحزاب الحريدية والدينية القومية، ما يمنحه أغلبية برلمانية، لكنه في الوقت ذاته يضعه في مواجهة مباشرة مع المؤسسة العسكرية وقطاعات واسعة من الرأي العام الإسرائيلي.
أي تنازل جديد للحريديم قد يُفسر داخل الجيش والشارع باعتباره تكريسًا لعدم المساواة في تحمل أعباء الحرب. وأي محاولة لفرض التجنيد بالقوة قد تؤدي إلى تفكك الائتلاف الحكومي وانهيار الاستقرار السياسي.
لذلك تبدو قدرة نتنياهو التقليدية على المناورة أكثر محدودية من أي وقت مضى. فهو لا يدير فقط خلافًا سياسيًا، بل يحاول منع تصادم مفتوح بين مكونات اجتماعية تمتلك تصورات متناقضة حول طبيعة الدولة نفسها.
إسرائيل أمام أزمة هوية مركبة
تكشف الأزمة الحالية أن الانقسام داخل إسرائيل لم يعد محصورًا بين اليمين واليسار أو بين الحكومة والمعارضة.
هناك اليوم عدة مشاريع متنافسة داخل المجتمع الإسرائيلي:
- تيار علماني قومي يعتبر أن بقاء الدولة يعتمد على الجيش والمؤسسات الحديثة وتقاسم الأعباء،
- وتيار حريدي يضع الهوية الدينية فوق متطلبات الدولة العسكرية،
- ويمين ديني قومي يدفع نحو مزيد من التشدد والتوسع والصدام الإقليمي،
- ومعسكر ليبرالي يتهم الحكومة بإضعاف القضاء والمؤسسات الديمقراطية لصالح اعتبارات سياسية ضيقة.
هذه التناقضات كانت موجودة سابقًا، لكنها أصبحت أكثر وضوحًا تحت ضغط الحرب والتعبئة العسكرية الطويلة والاستقطاب السياسي الحاد.
ولهذا تبدو أزمة التجنيد اليوم أخطر من مجرد خلاف تشريعي؛ إنها أزمة تتعلق بإمكانية استمرار “الإجماع الإسرائيلي” بصيغته التقليدية.
المؤسسة الأمنية تخشى تآكل العقد الاجتماعي
داخل الدوائر الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، يتزايد القلق من أن تتحول أزمة التجنيد إلى نقطة تحول استراتيجية طويلة الأمد.
فالجيش الإسرائيلي لم يكن تاريخيًا مجرد مؤسسة دفاعية، بل شكّل أحد أهم أدوات دمج المجتمع وصناعة الهوية الوطنية المشتركة.
لكن استمرار الإعفاءات الواسعة بالتزامن مع ارتفاع كلفة الحرب البشرية والاقتصادية يهدد تدريجيًا بتقويض هذا النموذج.
وتدرك المؤسسة الأمنية أن تراجع الإيمان بمبدأ “الخدمة المشتركة” قد يؤدي مستقبلاً إلى تآكل الثقة بين الدولة وشرائح واسعة من المجتمع الإسرائيلي، خصوصًا الطبقات التي تتحمل العبء العسكري المباشر.
هل تدخل إسرائيل مرحلة التآكل الداخلي؟
من المبكر الحديث عن انهيار سياسي وشيك أو نهاية حتمية لمسيرة نتنياهو السياسية.
فالرجل أثبت مرارًا قدرة استثنائية على إعادة تشكيل التحالفات والنجاة من الأزمات.
لكن ما يبدو واضحًا أن إسرائيل تدخل مرحلة أكثر هشاشة وتعقيدًا مما عرفته خلال العقدين الماضيين.
الحرب لم تخلق الانقسامات الداخلية، لكنها كشفتها وعمّقتها بصورة غير مسبوقة. وأزمة التجنيد ليست سوى أحد أعراض تحولات أوسع تتعلق بالعلاقة بين الدين والدولة، وبين المجتمع والمؤسسة العسكرية، وبين الهوية اليهودية والطابع المدني للدولة الحديثة.
وفي هذا السياق، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كان نتنياهو سيبقى في السلطة، بل ما إذا كانت إسرائيل قادرة على الحفاظ على تماسكها الداخلي وسط تصاعد التناقضات التي بدأت تظهر إلى السطح بصورة أكثر حدة من أي وقت مضى.










