20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

مفارقة نتنياهو الإيرانية: انتصار تكتيكي وانزلاق نحو مأزق استراتيجي

استندت حسابات المحور الأمريكي ـ الإسرائيلي بعد الحرب على إيران إلى قدر كبير من البساطة المغرية. غير أن الإفراط في التبسيط في السياسة الدولية غالباً ما يكون أول مؤشر على تجاهل التعقيد الحقيقي عمداً

بقلم: د. بكير أتاجان
٢٥ مايو ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
22 مشاهدة
ترامب ونتنياهو

ترامب ونتنياهو

استندت حسابات المحور الأمريكي ـ الإسرائيلي بعد الحرب على إيران إلى قدر كبير من البساطة المغرية. غير أن الإفراط في التبسيط في السياسة الدولية غالباً ما يكون أول مؤشر على تجاهل التعقيد الحقيقي عمداً. بدا المشهد واضحاً: تُضرَب إيران، يُردَع حلفاؤها، يطمئن الخليج، تُستعرض القوة الأمريكية أمام الصين، تُدفع روسيا إلى مزيد من العزلة، ويعيد بنيامين نتنياهو تقديم نفسه بوصفه “مهندس الشرق الأوسط الجديد”.

لكن المشكلة الأساسية في هذه الاستراتيجية كانت أن واشنطن وتل أبيب افترضتا أن العالم سيتصرف وفق السيناريو الذي كتباه مسبقاً.

إلا أن العالم لم يفعل.

في بكين، لم يظهر المشهد الذي كانت الولايات المتحدة تنتظره. فالصين لم تنظر إلى الأزمة الإيرانية باعتبارها حرباً ينبغي أن تنخرط فيها لصالح المشروع الأمريكي. تصرفت وفق انعكاسها الاستراتيجي المعتاد: استقبلت الوفود، قدمت صوراً دبلوماسية، استمعت بعناية، لكنها تجنبت الانخراط المباشر. لأن بكين تدرك أن مصالحها لا تكمن في الاصطفافات الحادة، بل في الاستقرار المنضبط، وأمن الطاقة، وشبكات العلاقات الاقتصادية المتوازنة.

وفي الوقت نفسه، بدا المشهد الروسي أكثر إزعاجاً لواشنطن. فالرئيس فلاديمير بوتين، الذي قيل طويلاً إنه يعيش عزلة دولية، ظهر في بكين لاعباً لا يزال جزءاً من معادلة القوى الكبرى. ففي الجيوبوليتيك، أحياناً تُقال الرسائل الأقوى ليس عبر التصريحات، بل عبر الجلوس إلى الطاولة نفسها.

وهنا تحديداً بدأت الرواية التي حاول نتنياهو بناءها بعد الحرب بالتصدع.

فإسرائيل لم تقدم المواجهة مع إيران باعتبارها مجرد عملية عسكرية، بل باعتبارها لحظة تاريخية ستعيد تشكيل النظام الإقليمي. ووفق هذه الرؤية، كان يُفترض أن تعيد الحرب ترميم الردع الإسرائيلي، وتُضعف المحور الإيراني، وتعيد هندسة الشرق الأوسط بصورة دائمة.

لكن المنطقة لم تتموضع كما أرادت تل أبيب. بل على العكس، انتقل مركز الثقل إلى عنصر غير متوقع: مضيق هرمز.

فالمضيق الذي كان يُنظر إليه لعقود باعتباره ممراً حيوياً للطاقة، تحوّل مع الحرب إلى العصب الحقيقي للاقتصاد العالمي. مجرد التلويح بتهديد الملاحة فيه كان كافياً لزعزعة أسواق النفط، وسلاسل الشحن، وتكاليف التأمين، وحسابات التضخم العالمية.

ومنذ تلك اللحظة، لم تعد القضية إيران فقط. بل أصبحت قضية هشاشة النظام الاقتصادي العالمي نفسه.

وهنا ظهرت المفارقة الاستراتيجية بوضوح: واشنطن، التي استخدمت الشرعية الدولية بصورة انتقائية لسنوات، وجدت نفسها مضطرة للعودة إلى الدبلوماسية والوساطة، بل وحتى إلى الاستعانة بتأثير الصين نفسها، لمنع الانفجار الكامل للأزمة.

وهكذا تحولت الحرب على إيران، بصورة ساخرة، إلى لحظة كشفت فيها طهران عن أحد أخطر أصولها الجيوسياسية: القدرة على تهديد شريان الطاقة العالمي.

لكن الصدمة لم تكن اقتصادية فقط. بل امتدت إلى طبيعة الحرب نفسها.

فقد دخل حزب الله المعركة بأدوات منخفضة الكلفة وعالية الفاعلية. طائرات مسيّرة موجهة بالألياف الضوئية، ومقاومة للتشويش الإلكتروني، استطاعت أن تُحدث تأثيراً يفوق منظومات دفاعية كلّفت مليارات الدولارات. وهكذا بدأت صورة التفوق العسكري الإسرائيلي، المبنية على الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية، تتعرض لأول اختبار بنيوي حقيقي.

لكن المسألة لم تكن تقنية. المسألة الأعمق أن طبيعة الحرب نفسها تغيّرت.

فواشنطن وتل أبيب تعاملتا مع النفوذ الإيراني كما لو أنه بنية مركزية يمكن إسقاطها بضربة مباشرة. لكن الواقع كشف شيئاً مختلفاً تماماً: هذا النفوذ يعمل بمنطق الشبكات لا الدولة. كلما أُغلقت جبهة، فُتحت أخرى: في لبنان، العراق، اليمن، والبحر الأحمر.

لقد خاضت أمريكا حرباً بعقلية الجيوش النظامية، لكنها اصطدمت بشبكة صراع مرنة، لا مركز لها، وقابلة لإعادة التشكل باستمرار.

لهذا استطاعت الضربات تدمير البنى المادية، لكنها لم تستطع إنهاء الفكرة. بل على العكس، دفعت الحرب نحو تطوير أدوات أكثر مرونة وأقل تكلفة وأكثر قدرة على تجاوز التفوق التقليدي.

وفي الخليج، ظهرت معادلة أكثر حساسية.

فمحاولات نتنياهو إظهار تقارب سياسي مع بعض العواصم الخليجية لم تعزز مسار التطبيع، بل جعلت تلك الدول أكثر هشاشة أمام الرأي العام الداخلي. لأن دول الخليج تدرك حقيقة صلبة: الجغرافيا أكثر ثباتاً من التحالفات.

يمكن لأمريكا أن تعيد التموضع. ويمكن لإسرائيل أن تعيد بناء منظومات الردع.

لكن دول الخليج ستبقى، بحكم الجغرافيا والتاريخ، في جوار دائم مع إيران.

وفوق ذلك، ساهمت شخصيات مثل إيتمار بن غفير في تعميق أزمة الصورة الدولية لإسرائيل. إذ كشفت مشاهد غزة التناقض البنيوي بين خطاب “الدولة الديمقراطية الأمنية” والواقع الميداني، بما أضعف السردية الإسرائيلية في الفضاء العالمي.

وهكذا تشكل مشهد إقليمي بالغ التعقيد:

  • نتنياهو أحرج حلفاءه الخليجيين.
  • بن غفير أضعف الصورة الدولية لإسرائيل.
  • حزب الله اختبر حدود التفوق التكنولوجي.
  • الصين رفضت الانخراط الكامل في الاستراتيجية الأمريكية.
  • روسيا بقيت لاعباً حاضراً رغم العزلة.
  • أما إيران، فاكتشفت أن الجغرافيا قد تكون أحياناً أثقل من القوة العسكرية نفسها.

واليوم، لم يعد السؤال: هل تستطيع إسرائيل إلحاق ضرر عسكري بإيران؟

فهذا أمر محسوم نسبياً.

السؤال الحقيقي أصبح: هل ما تزال القوة العسكرية وحدها قادرة على إنتاج نظام إقليمي مستقر؟

وهنا تكمن الحقيقة الأكثر إزعاجاً.

فإسرائيل والولايات المتحدة حققتا مكاسب تكتيكية، لكنهما خسرتا جزءاً من المعادلة الاستراتيجية. لأن القوة النارية لا تنتج بالضرورة نتائج سياسية. ولأن صمت الحلفاء لا يعني اقتناعاً. ولأن المجاملة الدبلوماسية لا تعني اصطفافاً. ولأن إضعاف إيران لا يعني إنهاء قدرتها على التأثير.

بل إن الحرب كشفت حدود القوة الأمريكية ـ الإسرائيلية نفسها. لقد أثبتت تل أبيب قدرتها على التدمير، لكنها أثبتت أيضاً أن التدمير وحده لا يصنع نظاماً.

أما واشنطن، فبدأت تدرك أن الشرق الأوسط لم يعد يُدار بمنطق التفوق العسكري فقط، بل بمنطق التعقيد الشبكي وتعدد مراكز التأثير.

وربما تكمن المفارقة الكبرى هنا: أن حرباً صُممت لترسيخ الردع الإسرائيلي، انتهت إلى إعادة تعريفه. فالردع لم يعد احتكاراً للقوة، بل قدرة على شلّ النظام من الخارج بأدوات منخفضة الكلفة وعالية المرونة.

ولهذا، سيتذكر التاريخ هذه الحرب بطريقة مختلفة:

ليس بوصفها لحظة هزيمة لإيران… بل بوصفها اللحظة التي بدأت فيها القواعد التي حكمت الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة بالانكشاف والتآكل التدريجي.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. بكير أتاجان

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

مفارقة نتنياهو الإيرانية: انتصار تكتيكي وانزلاق نحو مأزق استراتيجي - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°