قال الدكتور سعيد أبو رحمة الباحث في قضايا الصراع، إن الرسالة المنسوبة إلى حركة حماس -والتي لم يتأكد من صحتها- والموجهة إلى الوسطاء في جمهورية مصر العربية، تعكس حالة دقيقة من إدارة التفاوض تحت النار، وتكشف في مضمونها عن محاولة الحركة إعادة صياغة المشهد السياسي والإعلامي المحيط بالمفاوضات بما يُحمّل إسرائيل مسؤولية التعطيل والانهيار المتكرر لمسارات التهدئة.
وأوضح "أبو رحمة" أن الرسالة تركز بشكل واضح على فكرتين مركزيتين: الأولى أن الحركة ما تزال متمسكة بمسار التفاوض ولم تنسحب منه، والثانية أن التصعيد الإسرائيلي وخاصة الاغتيالات وتوسيع العمليات العسكرية، هو العامل الرئيسي في تعطيل أي تقدم سياسي، مع العلم أن الاغتيالات تصاعدت في الشهر الأخير وإعلان وقف إطلاق النار نر على أعلانه قرابة الثمانية شهور. هذا الخطاب يحمل وظيفة سياسية مزدوجة، فهو من جهة يبعث برسالة طمأنة للوسطاء، وخاصة مصر وقطر، بأن الحركة لا تريد انهيار المسار التفاوضي، ومن جهة أخرى يسعى إلى نزع المسؤولية عنها أمام الرأي العام الفلسطيني والإقليمي.
وأكد أبو رحمة أن الإشارة إلى اغتيال القيادات الميدانية توضح أن الحركة تريد ربط أي جمود تفاوضي بالسلوك الأمني الإسرائيلي، بما يعني أن المفاوضات وفق هذا المنطق لا يمكن أن تستمر بصورة طبيعية بينما تستمر الاغتيالات والاستهدافات اليومية. وهنا تحاول الحركة تكريس معادلة مفادها أن الأمن والمفاوضات مساران مترابطان، وأن إسرائيل تستخدم التصعيد العسكري لتحسين شروطها السياسية لا لإنهاء الحرب فقط.

كما أشار إلى أن الرسالة تكشف عن إدراك داخل الحركة بأن البيئة التفاوضية تمر بحالة إنهاك شديدة. فالإشارة إلى تقليص الفجوات والوصول إلى مقاربات معقولة تعني أن هناك بالفعل نقاشات تفصيلية جرت في القاهرة وإسطنبول وربما شهدت تقدماً جزئياً، لكن هذا التقدم بقي هشاً بسبب غياب الثقة واستمرار العمليات العسكرية. وهذا ينسجم مع طبيعة المفاوضات الحالية التي لم تعد تدور فقط حول تبادل أسرى أو وقف إطلاق نار مؤقت، بل حول شكل المرحلة المقبلة في غزة وترتيباتها الأمنية والسياسية.
كما تحمل الرسالة بُعداً دعائياً وإعلامياً مهماً، إذ تحاول الحركة الظهور كطرف عقلاني ومرن يؤمن بالحوار والوساطات، مقابل تصوير إسرائيل كجهة تُفشل جهود الوسطاء عمداً. وهذه اللغة غالباً ما تُستخدم في المراحل الحساسة من التفاوض بهدف الحفاظ على الدعم الشعبي والسياسي، ومنع تحميل الحركة مسؤولية استمرار الحرب أو تعثر الاتفاقات.
وشدد الباحث في قضايا الصراع على أن الرسالة تعكس أيضاً تصاعد أهمية الوسطاء الإقليميين، خاصة مصر، باعتبارهم الضامن الوحيد تقريباً لاستمرار قنوات الاتصال بين الأطراف. لأن أي تراجع في دور الوساطة المصرية قد يدفع نحو مزيد من العزلة السياسية والميدانية.
ونوّه "أبو حرمة" إلى أن هذه الرسالة سواء كانت ضمن تسريب مقصود أو وثيقة داخلية خرجت للإعلام تكشف أن المفاوضات ما تزال قائمة رغم التصعيد، لكنها تعاني من أزمة ثقة عميقة، وأن كل طرف يحاول استخدام الميدان والسياسة والإعلام معاً لتحسين موقعه التفاوضي قبل الوصول إلى أي صيغة نهائية محتملة لوقف الحرب أو إدارة اليوم التالي في غزة.










