4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

هل يمكن أن نُشفى داخل الحرب؟

في الأوقات العادية، يبدو الشفاء مفهومًا واضحًا: تنتهي الأزمة، تهدأ الحياة، ثم يبدأ الإنسان بالتعافي... لكن في غزة، لا تسير الأمور بهذا الترتيب هنا، لا توجد دائمًا نهاية واضحة للألم، ولا مساحة كافية للهدوء، ولا ذلك “الزمن الآمن” الذي تفترضه كتب العلاج النفسي.. الحرب لها حسابات أخرى.

بقلم: د. بلسم ربحي الجديلي
منذ 5 ساعة
4 دقائق قراءة
10 مشاهدة
د. بلسم ربحي الجديلي يكتب: هل يمكن أن نُشفى داخل الحرب؟

د. بلسم ربحي الجديلي يكتب: هل يمكن أن نُشفى داخل الحرب؟

في الأوقات العادية، يبدو الشفاء مفهومًا واضحًا: تنتهي الأزمة، تهدأ الحياة، ثم يبدأ الإنسان بالتعافي... لكن في غزة، لا تسير الأمور بهذا الترتيب هنا، لا توجد دائمًا نهاية واضحة للألم، ولا مساحة كافية للهدوء، ولا ذلك “الزمن الآمن” الذي تفترضه كتب العلاج النفسي.. الحرب لها حسابات أخرى.

وهنا يبرز السؤال الصعب: هل يمكن أن نُشفى.. ونحن ما زلنا داخل الجرح؟.. الإجابة ليست بسيطة، لأنها تتطلب أولًا إعادة النظر في معنى الشفاء نفسه.

في الفهم التقليدي، الشفاء يعني العودة إلى ما كنا عليه قبل الصدمة.. لكن ماذا لو لم يعد ذلك “قبل” موجودًا؟.. ماذا لو تغيّر الإنسان، وتغيّر العالم من حوله، بشكل لا يسمح بالعودة؟

في هذه الحالة، يصبح الشفاء ليس عودة.. بل تحوّلًا.. تحوّل في طريقة الفهم، في القدرة على الاحتمال، وفي إعادة بناء معنى للحياة، رغم كل ما حدث.
لكن هذا التحول لا يحدث في فراغ.. في بيئة غير آمنة، حيث يتكرر التهديد، يظل الجهاز النفسي في حالة استنفار دائم.. والإنسان، في هذه الحالة، لا يملك رفاهية “التعافي الكامل”.. لأنه لا يشعر أن الخطر قد انتهى.

وهنا يجب أن نكون صادقين: لا يمكن الحديث عن شفاء مكتمل في بيئة لا تزال تُنتج الألم.. لكن، وهذا مهم، عدم اكتمال الشفاء لا يعني غيابه.

هناك شكل آخر من التعافي يحدث بصمت، أقل ظهورًا، لكنه حقيقي.. يتجلى في قدرة الإنسان على الاستمرار، في لحظات تماسك وسط الفوضى، في محاولات صغيرة لإعادة ترتيب الحياة، وفي تلك القرارات اليومية التي تقول: “سنكمل.. رغم كل شيء”.

هذا ليس شفاءً نهائيًا، لكنه ليس مجرد بقاء أيضًا.. يمكن أن نسميه: التعافي الجزئي.. أو الشفاء داخل الألم.. وهو نوع من التكيف العميق، يحاول فيه الإنسان أن يخلق مساحات حياة، داخل واقع لا يساعد على الحياة.

لكن هذا النوع من التعافي يحتاج إلى فهم مختلف.. نحتاج أن نتوقف عن مطالبة الناس بأن “يتجاوزوا” ما لم ينتهِ بعد، أو أن “يتعافوا” وفق معايير لا تناسب واقعهم.

التعافي هنا لا يعني أن تتوقف عن الخوف،
بل أن تتعلم كيف تعيش رغم وجوده.
لا يعني أن تختفي الذاكرة المؤلمة،
بل أن تجد طريقة للتعايش معها دون أن تدمّرك.

وفي هذا السياق، تصبح أبسط الأشياء ذات قيمة علاجية:
- روتين يومي بسيط،
- حديث صادق مع صديق،
- لحظة هدوء نادرة،
- أو حتى ضحكة تأتي في غير وقتها.

كل هذه ليست تفاصيل هامشية،
بل محاولات حقيقية لاستعادة التوازن.

وربما أهم ما في هذا كله،
هو أن ندرك أن التعافي ليس مسؤولية فردية فقط.

لا يمكن أن نطلب من الإنسان أن يشفى،
بينما البيئة من حوله لا تساعده على ذلك.

الشفاء يحتاج إلى أمان،
إلى استقرار،
إلى شعور بأن المستقبل ليس مهددًا باستمرار.
وحين يغيب ذلك، يصبح التعافي جهدًا مضاعفًا،
بل أحيانًا معركة بحد ذاته.

في غزة، لا يسير الناس نحو الشفاء بخط مستقيم،
بل يتقدمون خطوة، ويتراجعون أخرى،
ثم يحاولون من جديد.
وهذا بحد ذاته.. شكل من أشكال القوة.

لكن يجب أن ننتبه:
هذه ليست القوة التي يجب أن تُطلب منهم دائمًا،
ولا الحالة التي ينبغي أن تُقبل كأمر طبيعي.

الإنسان خُلق ليعيش،
لا ليظل في حالة نجاة مستمرة.

وفي الختام،
ربما لا يكون السؤال: “هل يمكن أن نُشفى داخل الحرب؟”
بل:
كيف نحافظ على ما تبقى فينا من إنسانيتنا،
إلى أن يأتي وقت يصبح فيه الشفاء ممكنًا.. وكاملًا؟

https://felesteen.news/post/181640/%D9%87%D9%84-%D9%8A%D9%85%D9%83%D9%86-%D8%A3%D9%86-%D9%86%D8%B4%D9%81%D9%89-%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

الكلمات المفتاحية:#الحرب#غزة#أخبار غزة#الحياة

د. بلسم ربحي الجديلي

دكتوراه في الإرشاد النفسي والتربوي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

هل يمكن أن نُشفى داخل الحرب؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°