"القوة لا تحتاج إلى تبرير، بل إلى لحظة ضعف عند الخصم، وخائن يُربيه"، ليختلف السلطويين معاً هذا أرعن وهذا مجنون، كلاهما لا ينفتحان على بعضهما إلا لمصلحة ما، بالطبع هي شر للبشرية فتلك غزة تدمرت عن بكرة أبها، لكنها في وجه الطغيان صامدة وآبية، بقيت في وجه أعتي الدول التي اجتمعت عليها، ليست كما خربت سوريا وتدمرت العراق وتلك لبنان، وهكذا تم إدارة أزمة فنزويلا اليوم، في عالم دخل مرحلة اللامبالاه في استخدام النفوذ، لتُسقط الأقنعة القانونية، ويُعاد تعريف السيادة وفق ميزان القوة لا وفق نصوص الدساتير، فلا مخرج سهلاً، ولا حليفاً قادراً على إنقاذ كامل، ولا خصماً مستعداً للتراجع.
فالأزمة لم تبقَ داخل الحدود، فقد غزة رمزاً للصمود وأصبحت فنزويلا عاملاً ضاغطاً في معادلات الهجرة الإقليمية، وهذا الواقع يفسر حدة خطاب ترمب تجاه المكسيك، وتهديده بفرض إجراءات عقابية إذا لم تُغلق طرق العبور، وهو ما يربط فنزويلا مباشرة بالأمن القومي الأميركي. وفي المقابل يهرب الغسرائيليون من وطن سلبوه بالقوة لذا من السهل تركها والهروب من جحيم قوة أهلها.. وتلك كوبا، فهي في عين العاصفة من زاوية أخرى، حيثُ يرى الشعبوىين في إدارة ترمب أن أي دعم سياسي أو لوجستي لكاراكاس يُعدُ امتداداً لنموذج يجب اجتثاثه من الأرض، فالتهديد هنا ليس رمزياً، بل يحمل أبعاداً اقتصادية وأمنية، في منطقة ليست بالشرق الأوسط بل بعيداً عنها، منطقة تعاني أصلاً من هشاشة مزمنة، لتكون بداية خطيرة لحقبة جديدة من عالم الغابات والتدخلات الدولية، لاسيما في عالم لم تعد الشرعية فيه تُقاس بقرارات الأمم المتحدة، ولا قانونه ((الميت)) بل بمدى القدرة على فرض الأمر الواقع، لا بالجيوش فقط، بل بالعقوبات المالية، التحكم بالتكنولوجيا، السيطرة على أسواق الطاقة، وحتى إدارة الهجرة كسلاح سياسي، لتبدوا قضايا مثل الديمقراطية واحترام التنوع وقبول سيادة الدول على أراضيها أموراً ثانوية يمكن تجاوزها مؤقتاً.
من هنا، برزت "مادة مورا" لحالة تعليق فنزويلا بين (الاعتراف والإنكار)، لتتحول تسميها إلى "دورا" في انعكاس لدوران الأزمة من دون حسم، أي مرحلة اللا-حل، حيث تُترك الدولة في منطقة رمادية مستنزفه لينطفئ الرماد ببطء، من دون إسقاط كامل ولا إنقاذ حقيقي.
فنزويلا، التي كانت حتى مطلع الألفية لاعباً نفطياً مؤثراً، تحولت إلى دولة مثقلة بالهموم والعقوبات والانقسامات خلال عقد واحد. فالتضخم التراكمي تجاوز بالمليارات بين 2017 و2021، منخفضاً لدون 200 % في 2024 و2025، ليترك آثاراً مدمرة على الطبقة الوسطى، وأفقد العملة المحلية أي وظيفة اقتصادية حقيقية. على الرغم من تعافي إنتاج النفط جزئياً ليقترب من 900 ألف برميل يومياً مطلع 2026، فإن ذلك لا يكفي لإعادة بناء اقتصاد دولة بحجم فينزويلا، فقد أكثر من ثلثي قدرته الإنتاجي، في عالم حتى 2026، لا يزال يعتمد على الوقود الأحفوري بنسبة أكثر من 80 % من مزيج الطاقة العالمي. وفنزويلا خزّاناً استراتيجياً لا يمكن تجاهله. وهي دولة ليست محاصرة من خصم واحد، بل من منظومة كاملة: عقوبات أميركية، تردد أوروبي، دعم روسي-صيني محسوب، وانقسام داخلي يستنزف ما تبقى من الدولة ليتم بالنهاية سرقة نفطها. ولتكون التالية دولة (إيران) التي تدمرت لكنها جحيم لهم ، فالرسالة واضحة: من يملك الطاقة يملك النفوذ، ومن يهدد هذا التوازن يُوضع تحت الضغط.
"ليس أخطر على الدول من أن تصبح ساحة لا لاعباً"، ففنزويلا اليوم وغدا كوبا وغيرهما بعد... بخطف أو اغتيال أو تخريب، بينما لم يقدر أي إسرائيلي أن يخطف أرض كانت عصية عليهم ووقوداُ لأجسادهم في الدنيا والآخرة وفي عالم عاد إلى قانون الغاب، حيث لا مكان للضعفاء، ولا عزاء للتاريخ.







