17 يونيو 2026|القاهرة 28 °

جيوبوليتيك الهاوية وميلاد شيطان وهندسة مصالح مشوهة

معضلة إيفيان وميلاد شيطان: من جيوبوليتيك الهاوية في ميلاد ترامب الشيطان الأرعن، كانت حبارير التحالفات السامة في حبور بين عواصم الغرب وواشنطن وتل أبيب، لنواجه شرخاً عالمياً، لا مرحلة انتقالية هادئة

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
منذ 10 ساعة
7 دقائق قراءة
15 مشاهدة
جيوبوليتيك الهاوية وميلاد شيطان وهندسة مصالح مشوهة

جيوبوليتيك الهاوية وميلاد شيطان وهندسة مصالح مشوهة

معضلة إيفيان وميلاد شيطانمن جيوبوليتيك الهاوية في ميلاد ترامب الشيطان الأرعن، كانت حبارير التحالفات السامة في حبور بين عواصم الغرب وواشنطن وتل أبيب، لنواجه شرخاً عالمياً، لا مرحلة انتقالية هادئة، مُتحولة بالعلاقات العابرة للأطلسي من الحبور الزائف إلى حبارى الأزمات السياسية، وكما قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني: "النظام العالمي القائم على القواعد، والذي ساد بعد الحرب الباردة، ينهار".

وفي منتجع إيفيان الفرنسي المطل على بحيرة جنيف، تلتئم قمة مجموعة الدول السبع الكبرى، وسط أجواء دولية مشحونة بالتوترات الجيوسياسية والاقتصادية التي تعيد رسم ملامح النظام الدولي على وقع قرارات أمريكية متقلبة ومربكة. لتكتسب هذه الدورة رمزية خاصة، خضعت لها الأجندة الفرنسية بأكملها لتعديلات جوهرية، صُممت خصيصاً لتتزامن مع ميلاد ترامب، ذلك الشيطان الأرعن الذي يقود السياسة الأمريكية بنزعة حمائية واندفاعية تُثير حذر وهلع أقرب حلفائه التقليديين.

لم يقف الأمر عند حد تغيير موعد القمة ليتمكن من الاحتفال بعيد ميلاده الثمانين عبر عرض عسكري أمام البيت الأبيض، بل امتد ليتجلى في محاولات ماكرون المستميتة لاستدراجه لعشاء فرساي الفخم تلافياً لمغادرته المبكرة وتمرده على القرارات الدولية، ليبقى الهم الأكبر الذي شغل الدبلوماسية الفرنسية هو كيفية التفاهم مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وتجنب سيناريو قمة تورنتو في العام الماضي، وبالتالي عمدت إدارة ماكرون إلى تبني استراتيجية إقصاء الملفات الخلافية الحادة من جدول الأعمال الرسمي، مثل قضايا البيئة والتصحر الحراري والرسوم الجمركية.

 

الثلاثية السامة: حبور زائف لحبارير تحالفات مُشوهة، رسمت بنية العلاقات الدولية المعاصرة، وتفكيكها المُعقد بين الغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، نجد أننا أمام منظومة تسكنها سموم سياسية واضحة، تحولت فيها مساحات الحبور والابتهاج التاريخي المشترك إلى شبكة من المصالح الأنانية الهشة

  1. النزعات الحمائية: فعلاقة الغرب بأمريكا، تأسست عبر عقود من تحالف الأطلسي والدفاع المشترك، التي أفرزت اليوم حبارير مُشوهة من الالتزامات والتناقضات؛ حيث يجد الأوروبيون أنفسهم مجبرين على دفع أثمان باهظة جراء النزعات الحمائية التي يفرضها ترامب، بداية من الرسوم الجمركية القاسية، ووصولاً إلى الغموض الذي يكتنف التزام واشنطن بحلف الناتو، والنزيف الاقتصادي الحاد الناجم عن إغلاق مضيق هرمز الذي هدد أمن الطاقة الأوروبي. وهذا يُبرهن على أن زمن التنازلات الأوروبية المطلقة قد ولى، وأن الغرب بات يستشعر ثقل التبعية الأعمى لقرارات واشنطن المتقلبة.

وعلى الجانب الآخر، تتبدى علاقة أمريكا بإسرائيل كنموذج صارخ للارتباط السام الذي يستنزف الرصيد الأخلاقي والسياسي للقوة العظمى التي أنهكتها الإدارة الشعبوية الحالية، والذي كان يُحاط بعباءة الزيف والدعم غير المشروط في واشنطن، متحولاً في ظل اندفاعات ترامب ورغبته في إشعال الصراعات إلى فخ جيوسياسي يدفع بالمنطقة نحو حافة الهاوية.

  1. خطط هشة ووعود متناقضة: هُنا تبدو الأطراف المنخرطة في هذه التوازنات مثل طيور حبارى برية تائهة، تُساق بغريزة الخوف إلى حتفها وسط حقول الألغام السياسية، دون إدراك لعواقب النزاع المسلح الذي عطل ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً عبر مضيق هرمز. لذا نرى السياسة الأمريكية المتخبطة باتت عاجزة عن فرض تسويات حقيقية، واكتفت بتقديم خطط هشة ووعود متناقضة تتأرجح بين عرض اتفاق عادل أو الإنذار بحرب ضروس، مما جعل هذه العلاقات تنتهي إلى نهايات سيئة ومغلقة تضر بمصالح الشعوب واستقرار الإقليم.
  2. النهايات السيئة: أما الضلع الثالث، المتمثل في علاقة إسرائيل بالغرب، فهو يجسد الارتداد العكسي لتلك السموم. فالأوروبيون الذين يجدون أنفسهم أمام جبهات مشتعلة وحروب مستمرة في غزة وجنوب لبنان والبقاع، يعانون من وطأة الانحياز التاريخي الذي أفقر ميزانياتهم الاستراتيجية، فتغاضى الغرب جعلهم يدركون أن الوعود القديمة بالاستقرار تحولت إلى عبء باهظ، مما اضطرار الدول الأوروبية لتخصيص تسعين مليار يورو كقروض ونفقات عسكرية لمواجهة تداعيات الصراعات الإقليمية والدولية. وهو ما يثبت بالدليل القاطع أن النهايات السيئة هي المصير الحتمي لكل تحالف يقوم على حساب حقوق الشعوب وسيادة الدول.

 

العرب ولجم الاندفاعات الأمريكية الإسرائيلية: أمام هذا المشهد الدولي المتشظي، يبرز التحرك العربي والإقليمي الفاعل كمحاولة جادة لإعادة التوازن وضمان الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. في مقدمتها الرياض والقاهرة، بالإضافة إلى دور القوى الإقليمية مثل تركيا، في مسارات دبلوماسية مكثفة لحماية المصالح الحيوية وصياغة تفاهمات تمنع التفرد الأمريكي بالملفات المصيرية، وهُنا يتجلى هذا الدور في اللقاءات الثنائية التي يعقدها ترامب مع قادة مصر وقطر والإمارات، فضلاً عن غداء العمل المنفصل المخصص لمواجهة الأزمات الإقليمية، حيثُ تسعى الدبلوماسية العربية إلى لجم الاندفاعات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، والعمل على تأمين الممرات المائية الحيوية كمضيق هرمز دون الرضوخ للابتزاز الاقتصادي، مع التأكيد الصارم على حل الجذور الحقيقية للصراع عبر إحياء مسار حل الدولتين ورفض المشاريع الهشة التي لا تلبي تطلعات الاستقرار الدائم.

إن فرصة إبرام الاتفاق الأمريكي الإيراني تظل رهينة بمدى قدرة الوساطة الباكستانية على جسر الهوة بين شروط ترمب الصارمة ومطالب طهران، في وقت يدرك فيه الجميع أن استقرار مضيق هرمز هو مفتاح النجاة للاقتصاد الكلي العالمي، وفي ظل الضغوط التي يفرضها ترامب، تنسق الدول المحورية مثل مصر وتركيا والسعودية جهودها لفرض توازن حقيقي يمنع تحويل المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات بين واشنطن وطهران، خاصة مع اقتراب توقيع اتفاق الإطار الأمريكي الإيراني الذي يثير توجساً أوروبياً وعربياً من تداعياته على الأمن الإقليمي.

الصدع التكنولوجي والمالي في إيفيان: لم تكن القمة حول الصراعات التقليدية فقط بل تشهد بروز جبهة جديدة للتنافس الدولي تتمثل في ملفات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، بحضور تجمعاً غير مسبوق للرؤساء التنفيذيين لأكبر ثلاث شركات رائدة في هذا المجال عالمياً: سام ألتمان، وديميس هاسابيس، وداريو أمودي، بدعوة شخصية من ماكرون لوضع معايير دولية تضمن نشراً آمناً وفعالاً لهذه التقنيات وحماية القاصرين على الإنترنت. ويأتي هذا الحراك التقني تزامناً مع سعي مجموعة السبع لإصدار قرابة ستة عشر بياناً ختامياً تستهدف معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، وتأمين المعادن النادرة بعيداً عن النفوذ الصيني، ومواجهة التحديات الاجتماعية المعقدة.

 

المستقبل المسموم:  إن التفاهمات الهشة التي تسعى قمة مجموعة السبع لبلورتها في إيفيان لن تحجب حقيقة التصدع العريق في بنية النظام الدولي القائم على القواعد، فالتحالفات السامة التي أنتجت الأزمات وأفقدت عواصم القرار حبورها القديم، تُبرهن على أن الهيمنة الأحادية قد وصلت إلى طريق مسدود، ويبقى الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة على قدرة القوى الإقليمية الصاعدة، كمصر والمملكة العربية السعودية، على فرض قواعد دبلوماسية جديدة تستند إلى السيادة الوطنية والتوازن الجيواقتصادي الشامل، وهُنا نتذكر كلمات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حين قال: "سأرتكز على مناقشة أفكار جيدة من شأنها أن تساعد في تحقيق السلام وحماية الأرواح".

وقفة: "لتاريخ لا يعاقب الضعفاء فقط، بل يعاقب أيضاً الأقوياء الذين يسيئون قراءة لحظة التحول، كما يفعل ترمب في عالم تتراجع فيه الهيمنة المنفردة، ولم يعد السؤال: من يملك القوة؟ بل من يملك القدرة على تعطيل التوازنات أو إنقاذها. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للدول الكبرى الصاعدة.

 

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

جيوبوليتيك الهاوية وميلاد شيطان وهندسة مصالح مشوهة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°