17 يونيو 2026|القاهرة 28 °

من العالم الثالث إلى الأول: لي كوان يو.. النزاهة والجدارة والرؤية التي بدأنا بها

عندما سُئل لي كوان يو رئيس وزراء سنغافورة الأسبق، عن سر النجاح، قال: "نحن لا نملك موارد، لذا كان علينا أن نكون أكثر انضباطاً، وأفضل تعليماً، وأسرع تنفيذا"،

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
منذ 10 ساعة
8 دقائق قراءة
22 مشاهدة
لي كوان يو رئيس وزراء سنغافورة الأسبق

لي كوان يو رئيس وزراء سنغافورة الأسبق

الرؤية التي بدأنا بها: من الصفر لبناء أمة.. ومن من العالم الثالث إلى الأول، كانت الصرامة قبل الشعارات، فعندما سُئل لي كوان يو رئيس وزراء سنغافورة الأسبق صاحب كتاب "من العالم الثالث إلى الأول قصة سنغافورة 1965 – 2000عن سر النجاح، قال: "نحن لا نملك موارد، لذا كان علينا أن نكون أكثر انضباطاً، وأفضل تعليماً، وأسرع تنفيذا"، ليصدح بالانفصال القسري إلى الريادة العالمية في فلسفة "لي كوان يو" التنموية وأثرها على الرؤى الخليجية والعالمية، وهُنا يأتي التحول الحضاري الشامل والاستثمار في العقل قبل الأرض، كأهم أركان التحول الحضاري في ثلاثية بنيوية تنموية:

أولاها- التعليم: كسلاح وجودي والتي تم فيها توجيه الميزانيات نحو التعليم الفني والتقني وربطه مباشرة باحتياجات السوق. تم اعتماد اللغة الإنجليزية كلغة رسمية لربط الشعب بالاقتصاد العالمي، مع الحفاظ على اللغات الأم (الصينية، الملايوية، التاميلية) للحفاظ على الجذور الثقافية. 

ثانيها- التوأمة بين التراثين الصيني والبريطاني: نجح "لي" في دمج "القيم الآسيوية" (العمل الجاد، توقير الأسرة، الانضباط الجماعي) مع "النظام البريطاني" (سيادة القانون، البيروقراطية الكفؤة، القضاء المستقل).

أخرها- البنية التحتية التكنولوجية: في التسعينيات، أطلق مبادرة "Singapore ONE"، وهي استراتيجية لربط كل منزل في سنغافورة بشبكة إنترنت عالية السرعة، وهو ما اعتبره "سلاحاً ماضياً" لمواجهة المستقبل.

الدرس الذي يجب ألا ننساه

 وما لفت انتباهي بالكتاب هو نصيحة "لي" للسعودية في صورة درس "السوفت وير" و"الهارد وير"، ففي إحدى زياراته للمملكة العربية السعودية، وتحديداً عند استشارته حول "مدينة الملك عبدالله الاقتصادية"، قدم نصيحة ذهبية تلخص فلسفته التنموية. التي ما زالت تتردد أصداؤها اليوم في "رؤية السعودية 2030"، والتي لا تركز فقط على المشاريع العملاقة مثل "نيوم"، بل تقود ثورة في الأنظمة التشريعية، ومكافحة الفساد، وتحسين جودة الحياة، والاستثمار في رأس المال البشري.. وكان ما معناه: "إن بناء الأبراج، والموانئ، والمدن (Hardware) هو الجزء الأسهل الذي يمكن شراؤه بالمال. لكن النجاح الحقيقي يكمن في (Software)؛ أي القوانين التي تحكم المدينة، وشفافية القضاء، وسهولة ممارسة الأعمال، ونوعية التعليم التي يتلقاها القاطنون فيها. المدن لا تنجح بجمال مبانيها، بل بجاذبية أنظمتها للعقول والاستثمارات."

قصة "الجزيرة": إنه كتاب يُضئ للعالم قصة "الجزيرة التي لم يكن من المفترض أن تكون"، حينما وقف "لي كوان يو" في التاسع من أغسطس عام 1965، أمام شاشات التلفزيون والدموع في عينيه ليعلن انفصال سنغافورة عن الاتحاد الماليزي. والذي رأه "أزمة وجودية" بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لا انتصاراً. حيثُ وُلدت سنغافورة كدولة "مستحيلة"؛ جزيرة صغيرة تفتقر لأبسط الموارد الطبيعية، حتى مياه الشُرب كانت تستوردها من جارتها، وسط محيط جيوسياسي متلاطم بالعداء والتوترات العرقية والمد الشيوعي.. بل وكانت مجرد ميناء استعماري مُتهالك، يبلغ دخل الفرد فيها أقل من 500 دولار سنوياً، مع معدلات بطالة مرتفعة وبنية تحتية لا شيء. وهُنا وثقت الإرادة كلمتها وانطلقت الرحلة الاستثنائية التي وثقها "لي كوان يو" في كتابه "من العالم الثالث إلى الأول"، وهي رحلة لم تكن لتتحقق لولا وجود إرادة سياسية فولاذية ورؤية استراتيجية حولت "الرمل" إلى "ذهب".

الروبيان السام: ليس طعاماً بحرياً بل كانت التحديات الجيوسياسية والاستراتيجية لتبقى دولة مجهرية كسنغافورة لابد لها من استراتيجية تتجاوز الحماية العسكرية التقليدية، بمفهوم "الروبيان السام" (Poisoned Shrimp)؛ أو الحباري الملعونة، وهو أن تكون سنغافورة صغيرة بحيث يمكن ابتلاعها، ولكنها "سامة" لدرجة تجعل أي معتدٍ يدفع ثمناً لا يطاق، وكانت محاور المواجهة الجيوسياسية:

  1. بناء جيش من الصفر: في وقت قياسي، وبمساعدة خبراء دوليين، تم تأسيس قوة دفاعية وطنية قائمة على الخدمة الإلزامية لتعزيز الشعور بالانتماء الوطني.
  2. دبلوماسية التوازن: لم تنحز سنغافورة لمعسكر ضد آخر بشكل أعمى، بل جعلت نفسها "عقدة وصل" لا غنى عنها للقوى العظمى، من خلال توفير خدمات لوجستية وتجارية فائقة الجودة.
  3. خلق المصلحة المتبادلة: ربط لي كوان يو استقرار سنغافورة بمصالح الشركات الكبرى (MNCs)، فإذا استثمرت الشركات الأمريكية والأوروبية واليابانية في الجزيرة، سيصبح أمن سنغافورة مصلحة عالمية.

ومن الإعجاب إلى الشراكة الاستراتيجية كان الشرق الأوسط حاضراً لدى لي كوان يو وهو يرى في العالم العربي، وخاصة منطقة الخليج، شريكاً طبيعياً وقوة اقتصادية صاعدة. تميزت علاقاته بالزعماء العرب بالصراحة المطلقة والتقدير المتبادل. زار السعودية ودول الخليج مرات عديدة، وكان دائماً ما يشدد على أن الثروة النفطية هي "فرصة زمنية" يجب تحويلها إلى "أصول بشرية ومعرفية".. ولكن السؤال: لماذا تعتبر دول الخليج سنغافورة مرجعاً؟. والاجابة بسيطة أولاها التشابه الهيكلي: دول صغيرة المساحة، تعتمد على التجارة العالمية، وتسعى للتحول من الاعتماد على الموارد (أو الموانئ) إلى اقتصاد المعرفة، ثُم القدرة على التنفيذ: يعجب القادة الخليجيون بقدرة سنغافورة على تحويل "الرؤية" إلى "واقع ملموس" في جداول زمنية دقيقة.

ولم نجد أشد أثراً لفكره على العالمية ومفكريها كباراً وصغاراً، قادة ومجتمعات، إلا أنها لم تكن مجرد سرد تاريخي، بل كانت "مانيفستو" للبراغماتية. فتأثر بها زعماء عظام مثل "دينج شياو بينج" الذي زار سنغافورة واقتبس منها نموذج المناطق الاقتصادية الخاصة لينهض بالصين. صراحة "لي" الحادة، وردوده القوية على الانتقادات الغربية حول "حقوق الإنسان" مقابل "حقوق التنمية"، ساعدت في اختراق الحجب الضبابية لحبور الدعاية السياسية، حيث أثبت أن "الخبز والأمن والنظام" هي الركائز التي تسبق الديمقراطية الإجرائية في الدول الناشئة.

 

لقد أثبت لي كوان يو أن الدول لا تُقاس بحجمها الجغرافي، بل بقدرتها على إدارة مواردها البشرية والفكرية، فأعظم درس تقدمه سنغافورة للدول النامية هو أن التنمية ليست مشروعاً مؤقتاً، بل ثقافة دولة كاملة. فالفساد لا يُهزم بالشعارات، والتعليم لا ينجح بالإنفاق وحده، والاستثمار لا يأتي دون ثقة بالمؤسسات التي بدأها بـ "تنظيف الدرج يبدأ من الأعلى"، أي مأسسة النزاهة ومحاربة حبارير الفساد "سرطان الدول النامية"، وهو ما نجحت فيه السعودية في رؤيتها الخالدة.

لقد حول لي كوان يو جزيرة فقيرة إلى واحدة من أكثر دول العالم تنافسية واحتراماً، لأنه فهم حقيقة بسيطة لكنها عميقة:
"حين تُبنى المؤسسات على الكفاءة والنزاهة، تصبح الدولة أكبر من حدودها الجغرافيةلذا، لم يكتفِ بوضع القوانين، بل مأسس "الصرامة" عبر مكتب التحقيق في الممارسات الفاسدة (CPIB) الذي مُنح صلاحيات مطلقة.

استراتيجية مكافحة الفساد:

  1. الرواتب التنافسية: رفع رواتب الوزراء والقضاة لتكون الأعلى عالمياً، والهدف هو جذب أفضل العقول ومنعهم من الإغراء المالي. "إذا دفعت الفول السوداني، ستحصل على القرود"؛ كانت هذه فلسفته في الرواتب.
  2. مبدأ الجدارة (Meritocracy): القضاء التام على المحسوبية. الترقية في الجهاز الحكومي تعتمد فقط على "القدرة والنتائج"، وليس على الولاء الحزبي أو العرقي.
  3. التكنولوجيا كأداة رقابية: ساهمت البنية التحتية للإنترنت في تقليل الاحتكاك البشري في المعاملات الإدارية، مما أغلق أبواب الرشوة والمحسوبية إلكترونياً.

 

فلسفة براغماتية صارمة: حولت الأزمات إلى فرص، بالقدرة على استغلال الأزمات كنقطة انطلاق. عندما قررت بريطانيا سحب قواتها في عام 1968، وهو قرار هدد بفقدان 20% من الناتج المحلي الإجمالي وزيادة البطالة، لم يغرق في الندب، بل حول القواعد العسكرية إلى مجمعات صناعية، وجذب الاستثمارات الأجنبية عبر تقديم حوافز ضريبية غير مسبوقة.. وهُنا الإحصائيات تتحدث، فقد نما الناتج المحلي الإجمالي لسنغافورة بمتوسط 9  %سنوياً بين عامي 1965 و1980. بل وارتفع دخل الفرد من 512 دولاراً عام 1965 إلى أكثر من 25,000 دولار بحلول عام 2000، متجاوزاً بذلك دولاً استعمارية كبرى.

 

خاتمة: إن قصة نجاح سنغافورة لهي شهادة على أن "القيادة" هي المُتغير الأهم في معادلة التنمية. والدروس المُستفادة تتلخص في ثلاث كلمات: النزاهة، الجدارة، والرؤية.. التي بدأت بها السعودية من حيث انتهت كلماته بعبقرية الريادة والقيادة، واتكون نموذجاً هي الأخرى النسبة للدول النامية، وخاصة في المنطقة العربية، ودليلاً قاطعاً على أن الفقر ليس قدراً، وأن غياب الموارد ليس عائقاً إذا وجد "العقل" الذي يُدير برؤية يتبعها نور، فتجربة لي كوان يو تعلمنا أن بناء الأمم يبدأ بتنظيف الإدارة، وينمو بالتعليم، ويستمر بالابتكار التكنولوجي.

لقد رحل لي كوان يو، لكن "سنغافورة" بقيت كمنارة تذكر العالم بأن "العالم الثالث" يمكن أن يصبح "عالمًا أول" في جيل واحد فقط، إذا ما اقترنت الإرادة بالعمل الصارم والنزاهة المطلقة.

 

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال