20 يونيو 2026|القاهرة 28 °

ديناميات الاستعصاء التفاوضي في غزة: جدلية السيطرة العسكرية ومقايضة الإعمار في "المرحلة الثانية"

تدخل مفاوضات التسوية في قطاع غزة طوراً جديداً من الاشتباك السياسي المعقد مع تسلّم الأطراف للنسخة المعدلة المتعلقة بتنفيذ "المرحلة الثانية" من الاتفاق.

بقلم: د. محمد خليل مصلح
منذ 22 ساعة
6 دقائق قراءة
11 مشاهدة
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمَّرة في جباليا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمَّرة في جباليا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تدخل مفاوضات التسوية في قطاع غزة طوراً جديداً من الاشتباك السياسي المعقد مع تسلّم الأطراف للنسخة المعدلة المتعلقة بتنفيذ "المرحلة الثانية" من الاتفاق، ولا ينفصل هذا التطور التفاوضي عن الحراك الوطني واللجان الإنسانية والفصائلية المواكبة له (والتي تعبر عنها المداولات التنسيقية واجتماعات لجنة الإعمار الوطنية وبضمنها سياق اجتماع شعث والتنسيقات المرتبطة به)، حيث تترابط الأبعاد الميدانية الصلبة بملفات الإغاثة وإعادة الإعمار.

 في هذا التقدير نفكك بنود الورقة المطروحة، وتحليل الأبعاد الأمنية والسياسية للعقدة الإسرائيلية المتمثلة في عقدة الخط الأصفر  و"فيلادلفيا"، وصولاً إلى قراءة جدلية لملف الإعمار كأداة للمقايضة الاستراتيجية.

أولاً: الورقة المعدلة وهندسة "عقدة الانتقال"

تحاول التعديلات الأخيرة المطروحة على جدول أعمال الوسطاء صياغة ممر آمن يعبر بالعملية السياسية من التهدئة المؤقتة (المرحلة الأولى) إلى الاستدامة (المرحلة الثانية)، وهي الهندسة التي لطالما تسببت في انهيار جولات التفاوض السابقة. وتتركز بنود الورقة الجوهرية حول ثلاثة محاور:

1. صيغة الوقف المستدام للعمليات العسكرية: 

صياغة التزام متبادل بوقف دائم لإطلاق النار يجري الإعلان عنه بالتزامن مع الانتقال للمرحلة الثانية، وهو البند القيّدي الذي ترى فيه المقاومة خطوة ملزمة للعدو لوقف سياسة الاغتيالات لوقف النزيف الداخلي للمقاومة.

2. الانسحاب الشامل والكامل:

إلزام جيش الاحتلال بالإخلاء التام لكافة مناطق قطاع غزة دون استثناء، وتفكيك القواعد والمنشآت الهندسية التي أقيمت خلال أشهر الحرب، بما يشمل إلغاء ما يسمى "المناطق العازلة".

 ثانياً: الجغرافيا السياسية للمحاور.. أبعاد العقدة الإسرائيلية

تمثل الجغرافيا العسكرية الراهنة، وتحديداً محورا صلاح الدين والسيطرة على المعبر، النواة الصلبة للاستعصاء الإسرائيلي. وتتحرك المقاربة الإسرائيلية تجاه هذه المحاور ضمن مستويين متداخلين:

1. البعد الأمني والعملياتي (الجغرافيا كأداة تحكم)

 بُعد عقدة محور نتساريم (التحكم الديمغرافي): حيث كان يمثل هذا الممر أداة عسكرية لبتر القطاع عزل شماله عن وسطه وجنوبه. الهاجس الأمني لدى القيادة العسكرية يكمن في خشية فقدان "الفيتو العملياتي" على حركة الأفراد والبضائع، حيث تعتبر تل أبيب أن الانسحاب الكامل يعيق قدرتها على منع ترميم البنية الإدارية والعسكرية للمقاومة في غزة والشمال.

محور صلاح الدين (الحصار الاستراتيجي): ينظر المستوى الأمني الإسرائيلي إلى الشريط الحدودي مع مصر بوصفه شريان الإمداد التاريخي. والتمسك بالوجود الفيزيائي هناك ينطلق من عقيدة تتبنى "القطع الجغرافي المطلق" لمنع إعادة بناء القدرات التسليحية، معتبرة أن التخلي عنه دون ترتيبات تكنولوجية واستخباراتية دولية وإقليمية بمثابة عد تنازلي لجولة مواجهة قادمة.

2. البعد السياسي والائتلافي (صراع الهوية والبقاء الحزبي)

 رمزية "النصر المطلق": تحولت السيطرة على هذه المحاور مع الخط الاصفر المتحرك من هدف تكتيكي إلى عقيدة سياسية يتبناها اليمين الإسرائيلي الحاكم؛ فالانسحاب منها في المرحلة الثانية يترجم سياسياً داخل بيئة الائتلاف كأنه اعتراف بالفشل الاستراتيجي، مما يهدد بتفكيك الحكومة.

البديل السيادي وعقدة "اليوم التالي": يرفض الائتلاف الحاكم تسليم هذه المحاور لأي طرف فلسطيني (سواء كان فصائلياً أو مرتبطاً بالسلطة الفلسطينية)، لأن إخلاءها يفرض استحقاقاً سياسياً يعترف بوجود جهة سيادية فلسطينية تدير القطاع، وهو ما يتناقض مع استراتيجية تقويض الكيان السياسي الموحد بين الضفة وغزة.

 ثالثاً: ملف إعادة الإعمار.. من الإغاثة إلى الابتزاز الاستراتيجي

لم يعد ملف الإعمار تفصيلاً تقنياً أو إنسانياً، بل تحول إلى أداة اشتباك تفاوضي أساسية؛ فالورقة المطروحة والمداولات المواكبة لها تضع الإعمار كأحد المخرجات الملزمة للاتفاق وفق المحددات التالية:

المدى الزمني والتدفق الشامل: الحديث عن خطة إعمارية شاملة تمتد من 3 إلى 5 سنوات، تبدأ مرحلتها العاجلة بفتح المعابر بشكل كامل وإدخال المعدات الثقيلة والمواد "مزدوجة الاستخدام" كالإسمنت والحديد دون القيود الإسرائيلية السابقة.

الحلول الإغاثية المؤقتة: تتضمن المقررات العاجلة إدخال عشرات الآلاف من البيوت الجاهزة (الكرفانات) لإيواء النازحين كخطوة موازية لإزالة الأنقاض وتهيئة الطرق الرئيسية، وإصلاح شبكات المياه والكهرباء والاتصالات كأولوية قصوى.

معضلة الإشراف والتمويل: يبرز هنا التناقض بين رغبة الأطراف الدولية والإقليمية المانحة في إيجاد هيئة تكنوقراط أو مظلة وطنية متفق عليها للإشراف على تدفق الأموال، وبين رؤية قوى المقاومة التي تصر على ألا يتحول الإعمار إلى أداة لانتزاع مكاسب سياسية عجز الاحتلال عن تحقيقها في الميدان.

 رابعاً: المقاربة الجدلية لديناميات الموقف الوطني

عند إخضاع هذا المشهد للمنطق الجدلي (Dialectical Approach)، يتضح أننا أمام صراع بنيوي حاد بين أطروحتين تسعى اللقاءات الوطنية والفصائلية لإنتاج تركيب سياسي متماسك بينهما:

الأطروحة الدولية والإسرائيلية (Thesis): تسعى لتوظيف ملف الإعمار كأداة ضغط استراتيجي؛ بحيث يُربط تدفق الطوب والإسمنت بتقديم "تنازلات أمنية وسيادة وطنية" في غزة تعيد صياغة المشهد السياسي بما يخدم الرؤية الغربية-الإسرائيلية لـ "اليوم التالي".

نقيض الأطروحة (Antithesis): يمثلها موقف المقاومة والقوى الوطنية المتمسك بالفصل المطلق بين الاستحقاق الإنساني المتمثل في الإعمار والإيواء كحق غير مشروط للشعب الفلسطيني، وبين الملفات السياسية والتفاوضية الثابتة.

التركيب السياسي الناشئ (Synthesis): تبرز هنا الأهمية الحيوية للتحركات واللقاءات الوطنية التنسيقية (مثل المداولات والخطط التي تقودها لجان الإعمار الوطنية واجتماعات شعث التنسيقية)؛ حيث تهدف هذه الحركات إلى إنتاج "صيغة تركيبية متماسكة".

هذه الصيغة تسعى لتقديم مرونة تكتيكية عبر مباركة وتسهيل آليات إدارية وفنية وتكنوقراطية موحدة تشرف على ملف الإعمار لتجاوز الفيتو الدولي والاشتراطات المانحة، وفي الوقت ذاته تحافظ على صلابة الموقف السياسي والسيادي الرافض لتقديم أي تنازلات تمس سلاح المقاومة أو ثوابت القضية الوطنية.

 خلاصة واستشراف

يواجه المقترح المعدل للمرحلة الثانية اختباراً حاسماً بين منطقين: منطق إسرائيلي يسعى لتحويل الإنجاز العسكري الميداني المؤقت والمحاور الجغرافية إلى واقع جيوسياسي دائم يكرس الحصار ويقايض الإعمار بالأمن، ومنطق فلسطيني مدعوم بحراك وطني يصر على ربط الإعمار بالانسحاب الكامل والسيادة الوطنية.

بناءً على هذا التعارض البنيوي، فإن عجز الوسطاء عن تقديم ضمانات حقيقية وصيغ تركيبية ملزمة تجبر الاحتلال على الانسحاب من المحاور  أو التراجع الخط الاصفر، سيجعل من ملف الإعمار معطلاً، ويرتد بالمشهد نحو استمرار حرب الاستنزاف الميدانية والسياسية لفترة أطول.

د. محمد خليل مصلح

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال