17 يونيو 2026|القاهرة 28 °

نتنياهو والمنزلق الزمني: من "تشامبرلين" إلى "القفز الأخير".. قراءة في مؤشرات الانهيار الاستراتيجي

عندما يخرج يعكوف باردوغو على شاشة القناة 14 -البوق الإعلامي لنتنياهو- ليصف ترامب بـ"تشامبرلين"، فإن الأمر لا يقتصر على سقطة إعلامية أو انفعال يميني.

بقلم: د. محمد خليل مصلح
منذ 1 يوم
5 دقائق قراءة
11 مشاهدة
نتنياهو

نتنياهو

المقدمة: البوق كمؤشر

عندما يخرج يعكوف باردوغو على شاشة القناة 14 -البوق الإعلامي لنتنياهو- ليصف ترامب بـ"تشامبرلين"، فإن الأمر لا يقتصر على سقطة إعلامية أو انفعال يميني. إنه تجربة استراتيجية تُطلق لقياس ردود الفعل على سيناريو محدد: ترامب "يخون" إسرائيل، ونتنياهو "المحاصر" قد يضطر لـ"إدارة الأمر بمفرده"، لكن وراء هذا الخطاب تتراكم مؤشرات تُغيّر المعادلة برمتها.

أولاً: "الهروب إلى الأمام" وساحاته المُتقلصة

يُحاول نتنياهو تحويل الضفة الغربية وقطاع غزة إلى "ساحة هروب" تكتيكية. آليته مزدوجة: الابتزاز إذا لم تُغطّني في الضفة، سأُفشل مفاوضاتك مع إيران، والاستنزاف غزة كمسرح حرب لا نهائي يُبقي "القائد" فوق سطح الأحداث.

لكن هذا المنطق يواجه بارادوكس الاستنزاف الآلي: غزة لم تعد "ميدان نصر"، بل فخّ استنزاف يتكيّف معه المقاومون عبر ما يمكن تسميته "عصابات ذكية" ادوات المقاومة العسكرية — مسيرات رخيصة، صواريخ كروز، واستنزاف نفسي-سياسي مُسرّع يضغط 20 عاماً من حرب العصابات في 20 أسبوعاً. والضفة، بدورها، تتحول من "ملف أمني" إلى "استنزاف مُتعدد الجبهات" يُفلس الجيش إن بقي فيه، ويُفلس "الأمن" إن انسحب منه.

ثانياً: ترامب يتخلص.. نهاية "الفائض المعطل"

المؤشرات الأخيرة تُشير إلى إعادة ضبط استراتيجي أمريكية: توقيع الاتفاقات دون الاكتراث لمتطلبات نتنياهو، واستطلاعات رأي تُظهر أن الليكود بدون نتنياهو أفضل حالا هنا، يتحول "فائض القوة المعطل"  — تلك الظاهرة التي تمتلك فيها أمريكا القدرة على التدمير لكنها عاجزة عن استخدامها — من ورقة ضغط بيد نتنياهو إلى ورقة إعدام بيد ترامب.

ترامب لم يعد يحتاج لـ"نتنياهو" كوسيط لـ"صفقة القرن"؛ بل يحتاج لـ"ضحية" يُقدّمها لإنجاز "السلام الاقتصادي" مع السعودية. نتنياهو، الذي بنى "الليكود" كـ"دولة نتنياهو"، أصبح رهينته: الحزب يستطيع البقاء بدونه، لكنه لا يستطيع البقاء معه إذا انهار.

ثالثاً: السباق مع الزمن.. الانتخابات كسقف انهيار

الانتخابات القادمة ليست مجرد موعد دستوري، بل نقطة نهاية حتمية لـ"نتنياهو التاريخي": محاكمات، سجن، وانهيار "الرؤية" التي بنى عليها 15 عاماً من الحكم. وقبل الانتخابات، تتقلص "مساحة الهروب" تدريجياً:

  • غزة: 20 شهراً من الحرب ولا انتصار عسكري.
  • الضفة: الضمّ التدريجي يُعمّق العجز لا الأمن.
  • ترامب: "أمريكا أولا تعني "لا دماء أمريكية"، أي لا غطاء عسكري حقيقي.
  • الشارع الإسرائيلي: "الغيبوبة" التي تلت أكتوبر لم تعد ممكنة.

هنا، يُصبح نتنياهو أمام خيارين فقط:

  1. الاستسلام السياسي: الاستقالة أو صفقة قضائية — وهو ما يناقض "الغرور التاريخي" الذي قارناه سابقاً بأنماط هتلرية في التفكير.
  2. المغامرة الانتحارية: ضربة إيران بمفرده، دون غطاء أمريكي، كـ"قفز أخير" إلى الأمام.

رابعاً: "القفز الأخير" و"الحرب غير المقصودة"

إذا اجتمع: تجاهل ترامب، واستطلاعات الرأي السلبية، واقتراب الانتخابات، وفشل "الهروب" في غزة والضفة — فإن نتنياهو لا يملك إلا "القفز إلى الأعمق": ضربة إيران.

لكن هنا تبرز "اللامتناظرة المعكوسة": إيران لا تتجنب المواجهة، بل تُجبر القوي إسرائيل/أمريكا على مواجهة لا يريدها. "الضربة التذكيرية"  — ضد ديمونا مثلاً — ليست هدفاً تكتيكياً، بل رسالة نصية: "فائض قوتك عاجز عن حماية حتى أقدس مواقعك".

إيران تتبنى "عقيدة تكتيكية" تجعل الردّ الشامل متعدد الجبهات، فوري، غير مُتأخر استراتيجية ردع بديلة عن "الصبر الاستراتيجي" السابق. وهنا يكمن الخطر: نتنياهو لا يريد حرباً شاملة، لكن "مزدوجية العجز" عاجز عن الانتصار وعاجز عن الانسحاب تُدخله في حلقة مُفرغة من التصعيد حتى "الحرب غير المقصودة" .

خامساً: "جيوسياسة العجز".. المفتاح الإيراني

إيران لا تحتاج لـ"الفوز" عسكرياً؛ بل تحتاج لـ"إثبات العجز" — أن نتنياهو لا يستطيع الفوز حتى لو قفز. هذا هو جوهر "ردع بالإنهاك" : لا أهدد بالضربة القاضية، بل بالمصارعة التي لا تنتهي حتى استسلام العدو من الإرهاق.

"الاستنزاف الآلي" في غزة ولبنان يُحقق هذا الإثبات تدريجياً،  لكن التحدي الإيراني يبقى في "الردع المُفرط": إذا ردّت بقوة، تُعطي نتنياهو ذريعة "القفز"، إذا لم تردّ، تبدو ضعيفة، الحل، وفق "جيوسياسة العجز"، ليس في الضربة وحدها، بل في "البقاء كاستراتيجية" — أن تكون عاجزاً عن الانتصار لكن قادراً على منع انتصار العدو.

الخلاصة: نحو "المنزلق الزمني"

المشهد الإسرائيلي يتجه نحو "منزلق زمني" : نافذة ضيقة تفصل نتنياهو عن الانهيار السياسي أو المغامرة العسكرية. "تشامبرلين" التي أطلقها باردوغو ليست وصفاً لترامب، بل إسقاط نفسي لنتنياهو: القائد الذي يُدرك أن "حلفاؤه" يتخلون عنه، و"شعبه" يفقد الثقة به، و"تاريخه" يتحول من "الملك" إلى "المحاصر".

السؤال ليس إذا كان نتنياهو سيسقط، بل كيف سيسقط: بالاحكام  القضائية، أم بـ"القفز الانتحاري" الذي قد يجرّ المنطقة برمتها إلى حرب لم يُقصد أحد خوضها؟

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. محمد خليل مصلح

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير