يشهد الفكر الأمني الإسرائيلي المعاصر تحولاً جذرياً يمس جوهر عقيدته القتالية والسياسية، فعلى الرغم من تراكم الإنجازات العملياتية الهائلة في مختلف الساحات، إلا أن إسرائيل تجد نفسها في حالة "انسداد إستراتيجي" ، حيث أصبحت الأدوات التكتيكية البديل المشوه للرؤية السياسية الغائبة.
ويمكن تفكيك هذا المأزق عبر ثلاثة مستويات جدلية تفاعلية.
أولاً: "الأيديولوجيا التكتيكية" وإحلال الوسائل مكان الغايات
تتجسد العقيدة الأمنية الإسرائيلية الحالية في ركيزتين: قضم الجغرافيا السيطرة على الأرض وقطع الرؤوس المستمر ،الاغتيالات، للقيادات هذه العقيدة تمثل النموذج الأبرز لـ "الأيديولوجيا التكتيكية"؛ وهي حالة ذهنية رهايية لنتنياهو تُحوّل الأدوات والوسائل العسكرية المؤقتة إلى غايات أيديولوجية مطلقة لتبرير استمرار الحرب.
وهم الجغرافيا: يُطرح احتلال الأرض سواء عبر السيطرة على أجزاء واسعة من غزة أو تجاوز نهر الليطاني كإنجاز نهائي، بينما يتحول في الواقع غياب "الخطوة السياسية التالية" إلى مستنقع استنزاف يمتص مقدرات الجيش البشري والاقتصادي.
ديناميكية الاغتيال: يتم التعامل مع تصفية القيادات كعلاج حاسم للاستعصاء الأمني، لكن التجربة أثبتت أن حركات المقاومة العقائدية تبدي مرونة مؤسساتية عالية تفرز قيادات بديلة بسرعة تتجاوز تقديرات الاستخبارات، مما يجعل الاغتيال إنجازاً موضعياً لا يغير الاتجاه الإستراتيجي العام للصراع.
ثانياً: المفارقة الجدلية لتفوق القوة والارتهان الخارجي
هناك تناقض بنيوي صارخ يتبدى في المشهد الإقليمي: *إسرائيل تضرب بقوة عملياتية لافتة لكنها تخرج استراتيجياً أضعف، بينما يتلقى خصومها الضربات لكنهم يخرجون بموقع جيوسياسي معقد ومستمر.
هذه المفارقة ناتجة عن "وهم تفويض القوة المطلق" الممنوح من إدارة دونالد ترامب:
معادلة الارتهان لـ واشنطن: حرية الحركة غير المسبوقة التي تتمتع بها تل أبيب تكتيكياً يقابلها سلب كامل لقرارها الإستراتيجي النهائي، يتحرك ترامب برؤية "صفقاتية برغماتية"، حيث تمثل المكاسب العسكرية الإسرائيلية بالنسبة للبيت الأبيض مجرد أوراق ضغط لتحسين شروط التفاوض الإقليمي الأمريكي، وليس لتمكين إسرائيل من تحقيق شعار "النصر الكامل"، وبالتالي، تصبح التسويات المفروضة أمريكياً سقفاً حتمياً يصطدم بالتطلعات الأيديولوجية لليمين الحاكم.
ثالثاً: مأزق "الملك" واستعصاء البديل المشلول
في القراءة السياسية الداخلية، لم يعد اليمين الإسرائيلي كتلة فكرية مجردة، بل تحول إلى منظومة متمحورة عضويّاً حول شخص رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باعتباره "الصمغ" والمهندس الوحيد لصفقة المصالح بين الصهيونية الدينية، الحريديم، وقوميي الليكود.
هذا الارتباط الشرطي يضع السياسة الإسرائيلية أمام استحقاقين بنيويين:
1. حتمية التفكك: استنفاد اليمين لطاقته الإستراتيجية في معركة البقاء السياسي لنتنياهو يسرّع من لحظة الانكسار. وغياب رأس الهرم سيفجر صراع خلافة شرساً داخل الليكود ونزوعاً نحو الراديكالية من قِبل التيارات المتطرفة بن غفير وسموتريتش، مما يؤدي لتفتت الكتلة وعودتها لحجمها الطبيعي في المقاعد الخلفية.
2. عقم البديل ،المعارضة ذات الرؤوس الثلاثة: سقوط نتنياهو لا يعني بالضرورة ولادة عقلانية استراتيجية فورية. البديل القادم تحالف الوسط والنخب الأمنية يعاني من عيب هيكلي يتمثل في "تضارب الرؤى والمصالح"، غياب التجانس الأيديولوجي في حكومة ائتلافية هشة سيجعلها عاجزة عن اتخاذ القرارات التاريخية الكبرى خوفاً من الفيتو الداخلي والابتزاز الحزبي.
الخلاصة: ثمن "شجاعة الانسحاب"
إن الانتقال من "الأيديولوجيا التكتيكية" الحالية إلى "العقلانية الإستراتيجية" يتطلب ترتيب اتفاقيات عقلانية تعيد صياغة معادلة الحدود على الأقل بالعودة إلى صيغة "اللا حرب واللا سلم".
هذا التحول الحتمي لإنقاذ الجيش ونظام الدولة من الاستنزاف يمر حصراً عبر "شجاعة الانسحاب" الجغرافي من غزة ولبنان. وهي شجاعة تصطدم بصدمة المجتمع الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر وبخوف النخب البديلة من دفع الأثمان السياسية أمام شارع جرى ضخ الأفكار اليمينية والشك المطلق في وعيه الجمعي على مدار عقدين.
الأيام القادمة لن تكون صراعاً بين يمين ويسار، بل صراعاً بين "برغماتية إستراتيجية قسرية" تفرضها الأزمات الداخلية والضغوط الخارجية، وبين "أيديولوجيا تكتيكية انتحارية" تأبى الاعتراف بحدود القوة النظامية في مواجهة حروب الاستنزاف.









