20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

ترامب بين مأزق إيران ووهم الصفقة الكبرى: مفاوضات متعثرة تكشف حدود القوة الأمريكية

ترى "ذي أتلانتك" أن ترامب اعتاد إعلان الانتصار السياسي قبل اكتمال الوقائع على الأرض، غير أن الملف الإيراني قد يكون أكثر الملفات اختباراً لهذه المقاربة

بقلم: أخبار ومتابعات
٢٩ مايو ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
29 مشاهدة
ترامب وإيران

ترامب وإيران

قالت مجلة "ذي أتلانتك" إن الاتفاق الذي يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إبرامه مع إيران ما يزال بعيد المنال، رغم التصريحات المتكررة الصادرة عن البيت الأبيض بشأن قرب إنجازه. وأضافت المجلة في تقرير لها أن ترامب تعامل خلال الأيام الأخيرة مع المفاوضات بوصفها لحظة حاسمة، إلى درجة أبقائه فريقه في واشنطن وإلغائه ترتيبات شخصية، على أمل إعلان اختراق سياسي سريع.

وأوضحت المجلة أن الإدارة الأمريكية رفعت سقف التوقعات بصورة متلاحقة، بعدما تحدث وزير الخارجية ماركو روبيو أكثر من مرة عن إمكانية التوصل إلى اتفاق خلال أيام قليلة، بينما عزز ترامب نفسه هذه الأجواء من خلال الدعوة إلى اجتماع لمجلس الوزراء كان مقرراً في كامب ديفيد، الموقع المرتبط تاريخياً باتفاقات الشرق الأوسط الكبرى.

لكن، بحسب التقرير، انتهت هذه التوقعات إلى مشهد مغاير تماماً، إذ اضطر الاجتماع إلى الانتقال للبيت الأبيض بسبب سوء الأحوال الجوية، قبل أن يقر ترامب أمام الصحفيين بأنه لا يملك ما يعلنه بعد. واكتفى الرئيس الأمريكي بالقول إن الإيرانيين "يرغبون بشدة" في إبرام اتفاق، في اعتراف عكس استمرار المراوحة السياسية رغم الأجواء المتفائلة التي أحاطت بالمفاوضات.

صفحة واحدة معقدة

وأضافت "ذي أتلانتك" أن الاتفاق المطروح لا يتجاوز من حيث الشكل "مذكرة تفاهم" من صفحة واحدة، لكنه يحمل داخله ملفات شديدة التعقيد تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني ومستقبل اليورانيوم المخصب والضمانات الأمنية وقضايا الحرب الإقليمية الأوسع.

ووفق التقرير، كان من المفترض أن يمنح هذا الإطار التفاوضي مهلة ستين يوماً للتوصل إلى معالجة شاملة للطموحات النووية الإيرانية، غير أن هذه الصيغة اصطدمت سريعاً بتناقضات سياسية واستراتيجية يصعب احتواؤها في وثيقة مختصرة أو تفاهم سريع.

وترى المجلة أن المشكلة لا تتعلق بغياب الرغبة الأمريكية في الاتفاق، بل بالعكس تماماً، إذ أمضى ترامب أسابيع طويلة يبحث عن مخرج من الصراع مع إيران، مستخدماً التهديدات والتصعيد والمواعيد النهائية المتكررة لدفع طهران نحو تقديم تنازلات أوسع، دون أن يحقق حتى الآن الاستسلام الكامل الذي كان يأمله.

ضغوط بلا حسم

وأشارت المجلة إلى أن ترامب وجد نفسه في معادلة معقدة، فبينما واصل تهديد إيران وفرض الضغوط الاقتصادية والعسكرية عليها، ظل متردداً في الوقت نفسه إزاء استئناف حرب واسعة قد تفتح أبواب مواجهة إقليمية أكبر.

وبحسب مساعدين للرئيس نقلت عنهم المجلة، فإن ترامب يدرك حجم الاستنزاف الذي أصاب مخزونات الذخائر الأمريكية بعد الحرب، كما يخشى أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى رد إيراني يستهدف البنية التحتية للطاقة في الخليج، وهو ما قد يفاقم أزمة الوقود عالمياً ويرفع التكلفة الاقتصادية والسياسية على واشنطن.

وأضاف التقرير أن بعض دوائر الإدارة تراهن على أن الحصار الأمريكي المرتبط بمضيق هرمز والضغط الاقتصادي المستمر سيدفع إيران في النهاية إلى الرضوخ، إلا أن ترامب نفسه بات أكثر نفاداً للصبر تجاه بطء النتائج، وبدأ يحث مفاوضيه على تكثيف جهودهم خشية تحول الجمود إلى عبء سياسي داخلي عليه.

قلق إقليمي واسع

وأكدت "ذي أتلانتك" أن قادة في الشرق الأوسط ضغطوا خلال اتصالات مع ترامب من أجل تسريع الوصول إلى اتفاق يوقف التصعيد ويعيد الاستقرار إلى المنطقة، خصوصاً بعد التداعيات التي خلّفتها الحرب وأزمة الملاحة في مضيق هرمز.

وذكرت المجلة أن إغلاق إيران للمضيق عملياً بعد اندلاع الحرب أدى إلى تعطيل حركة السفن وفرض وقائع جديدة على تجارة الطاقة العالمية، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة عبر حصارها الخاص ومحاولات إعادة تنظيم الملاحة.

وفي أعقاب هذه الاتصالات، كتب ترامب عبر منصته "تروث سوشيال" أن الاتفاق بات قريباً، بينما تحدثت مصادر مطلعة للمجلة عن أن التفاهم المتوقع قد يشمل إعادة فتح المضيق ووقفاً ممتداً لإطلاق النار على الجبهة اللبنانية، إلى جانب تخفيف محتمل للعقوبات المفروضة على طهران.

تمرد المحافظين

لكن المجلة أوضحت أن الضغوط على ترامب لا تأتي من إيران وحدها، بل أيضاً من داخل المعسكر الأمريكي المحافظ نفسه، حيث تصاعدت اعتراضات شخصيات جمهورية ودوائر داعمة للرئيس تخشى من تقديم تنازلات استراتيجية لطهران.

وأشارت إلى أن السيناتور ليندسي غراهام ورئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ روجر ويكر عبّرا علناً عن رفضهما لأي وقف إطلاق نار أو تفاهم يمنح إيران نفوذاً دائماً في مضيق هرمز أو يكرس قدراتها الإقليمية، معتبرين أن مثل هذه الترتيبات قد تتحول إلى تهديد طويل الأمد لإسرائيل وللتوازنات الإقليمية.

وأضاف التقرير أن هذه الانتقادات فاجأت ترامب وأثارت استياءه، وأسهمت في تعديل خطابه الإعلامي، فبعد أن كان يروج بقوة لقرب الاتفاق، بدأ يؤكد أن الصفقة لم تنجز بعد وأنه لن يقبل إلا بما وصفه بـ"الانتصار الواضح"، من دون أن يحدد عملياً ماهية هذا الانتصار أو حدوده.

وهم الصفقة الكبرى

وترى "ذي أتلانتك" أن ترامب لم يتخل عن نزعته التقليدية في تقديم نفسه بوصفه صانع "الصفقة الكبرى"، ولذلك حاول ربط الاتفاق النووي الإيراني بإعادة إحياء وتوسيع اتفاقيات التطبيع الإقليمي، أملاً في تسويق إنجاز شامل يغير خريطة الشرق الأوسط.

غير أن المجلة اعتبرت هذا التصور بعيداً عن الواقع السياسي الحالي، في ظل تصاعد الانتقادات الإقليمية والدولية للسياسات الإسرائيلية وتزايد الأضرار التي لحقت بدول المنطقة جراء الحرب والتوترات الأمنية.

وأضافت أن الإدارة الأمريكية تبدو اليوم عالقة بين هدفين متناقضين: السعي لاتفاق محدود ينهي التصعيد النووي والعسكري، ومحاولة تحميل الاتفاق نفسه أبعاداً سياسية وإقليمية أوسع قد تجعل الوصول إليه أكثر صعوبة وتعقيداً.

عقدة هرمز والعقوبات

وأكد التقرير أن واحدة من أعقد القضايا العالقة تتعلق بمستقبل مضيق هرمز، إذ تصر إيران على أن يبقى المضيق تحت إشرافها أو بإدارة مشتركة مع سلطنة عمان حتى بعد استئناف الملاحة، بينما ترفض واشنطن ذلك بصورة قاطعة وتعتبره ممراً دولياً مفتوحاً لا يخضع للسيادة الإيرانية.

وأضافت المجلة أن الخلاف يمتد أيضاً إلى قضية الأصول الإيرانية المجمدة والعقوبات الاقتصادية، حيث ترى طهران أن الإفراج عن بعض الأموال يشكل تعويضاً عن الحرب والخسائر، بينما حرص ترامب علناً على نفي وجود أي حديث جدي عن تخفيف العقوبات.

وفي الوقت ذاته، لا يزال مستقبل الحرب على الجبهة اللبنانية غامضاً، بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توسيع العمليات العسكرية ضد حزب الله، ما يضيف ملفاً آخر إلى حزمة التفاوض المعقدة أصلاً.

درس كيري المعاكس

وربطت "ذي أتلانتك" بين المشهد الحالي وتجربة الاتفاق النووي لعام 2015، مذكّرة بأن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري كان قد شدد آنذاك على ضرورة حصر المفاوضات في الملف النووي وحده، محذراً من أن إدخال ملفات متعددة سيجعل التوصل إلى اتفاق مهمة شبه مستحيلة.

وترى المجلة أن ترامب، الذي مزق اتفاق 2015 خلال ولايته الأولى وخاض الحرب لاحقاً سعياً لتغيير أوسع في السلوك الإيراني، وجد نفسه اليوم أمام المأزق ذاته الذي حذر منه كيري سابقاً.

فبدلاً من التفاوض حول ملف محدد، تحولت المحادثات الحالية إلى محاولة متزامنة لمعالجة البرنامج النووي، والعقوبات، والمضيق، والحرب الإقليمية، والتوازنات الخليجية، ومستقبل النفوذ الإيراني، وهي معادلة تعتبرها المجلة وصفة شبه مؤكدة للتعثر.

سلام بلا وضوح

واختتمت "ذي أتلانتك" تقريرها بالتشكيك في أسلوب إدارة ترامب للمفاوضات، معتبرة أن الغموض الذي يحيط بالعملية التفاوضية يفاقم صعوبة تقييم فرص النجاح أو الفشل.

فالمفاوضات، وفق المجلة، تدار عبر دائرة ضيقة يقودها مبعوث ترامب ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، بعيداً عن القنوات الدبلوماسية التقليدية، وفي ظل محدودية المعلومات المتاحة للرأي العام وحتى لبعض المؤسسات الأمريكية.

وترى المجلة أن ترامب اعتاد إعلان الانتصار السياسي قبل اكتمال الوقائع على الأرض، غير أن الملف الإيراني قد يكون أكثر الملفات اختباراً لهذه المقاربة، لأن أي اتفاق محتمل لن ينهي بالضرورة العداء بين واشنطن وطهران، بل قد يكشف، بحسب التقرير، حدود القوة الأمريكية عندما تحاول معالجة أزمات الشرق الأوسط المتشابكة عبر صفقة واحدة تحمل أكثر مما تستطيع احتماله.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال