14 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. إبراهيم رضوان يكتب: الانقلاب الإداري والخلل الدستوري.. شهادة قانونية من داخل التشريعي الفلسطيني

عندما يُذكر حل المجلس التشريعي الفلسطيني، ينصرف الذهن غالباً إلى القرار التفسيري الصادر عن المحكمة الدستورية العليا في ديسمبر 2018، باعتباره اللحظة التي انتهت فيها الولاية الدستورية للمجلس. غير أن هذا التصور، على شيوعه، لا يروي القصة كاملة، ولا يفسر كيف وصلت المؤسسة التشريعية الفلسطينية إلى تلك النهاية.

بقلم: د. إبراهيم رضوان
منذ 6 ساعة
20 دقائق قراءة
5 مشاهدة
المجلس التشريعي الفلسطيني

المجلس التشريعي الفلسطيني

عندما يُذكر حل المجلس التشريعي الفلسطيني، ينصرف الذهن غالباً إلى القرار التفسيري الصادر عن المحكمة الدستورية العليا في ديسمبر 2018، باعتباره اللحظة التي انتهت فيها الولاية الدستورية للمجلس. غير أن هذا التصور، على شيوعه، لا يروي القصة كاملة، ولا يفسر كيف وصلت المؤسسة التشريعية الفلسطينية إلى تلك النهاية.

فحل المجلس لم يكن بداية الأزمة، وإنما كان محطتها الأخيرة. أما بدايتها الحقيقية، فقد سبقت ذلك باثني عشر عاماً، حين بدأت مؤسسات الدولة تفقد حيادها تدريجياً، وتحولت بعض أدوات الإدارة العامة من وسائل لتنفيذ القانون إلى أدوات لإدارة الصراع السياسي. ومنذ تلك اللحظة، بدأ مسار طويل استهدف إضعاف المؤسسة التشريعية، وتجريدها من قدرتها على ممارسة وظائفها الدستورية، وصولاً إلى تهيئة الواقع الذي استند إليه قرار الحل لاحقاً.

لهذا، فإن قراءة قرار المحكمة الدستورية بمعزل عن السياق الذي سبقه لا تكشف سوى جزء من الحقيقة. فالقرارات الدستورية، مهما بلغت أهميتها، لا تنشأ في فراغ، وإنما تأتي في نهاية مسارات سياسية وإدارية وقانونية تتفاعل فيما بينها، وقد تُفضي في النهاية إلى نتائج تبدو قانونية في ظاهرها، بينما تخفي وراءها مساراً مختلفاً تماماً.

أكتب هذه الدراسة بصفتي شاهداً على تلك المرحلة، لا مجرد باحث في أحداثها. فقد عملت مستشاراً قانونياً في المجلس التشريعي الفلسطيني خلال السنوات التي أعقبت انتخابات عام 2006، وشهدت من داخل المؤسسة كيف بدأت أولى حلقات التعطيل، وكيف استُخدمت الإدارة العامة والقرارات الإدارية والمالية لإضعاف مجلس منتخب قبل سنوات من صدور قرار حله. ولذلك، فإن هذه ليست شهادة شخصية فحسب، ولا هي دراسة قانونية مجردة، بل محاولة للجمع بين التجربة العملية والتحليل الدستوري، لإعادة قراءة واحدة من أخطر محطات النظام السياسي الفلسطيني. وهي قراءة تنطلق من سؤال جوهري:

هل كان حل المجلس التشريعي سبباً للأزمة، أم أنه كان النتيجة الأخيرة لمسار بدأ يوم تحول الخلاف السياسي إلى سياسة ممنهجة لتعطيل المؤسسات الدستورية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تقتصر على تقييم قرار قضائي صدر في لحظة معينة، وإنما تمتد إلى فهم العلاقة بين الإدارة العامة، والقضاء الدستوري، والسلطة التنفيذية، وحدود كل منها في إطار القانون الأساسي الفلسطيني. ومن هنا، فإن الهدف من هذه الدراسة ليس إعادة سرد الوقائع، بل تحليلها في سياقها الدستوري، وبيان الكيفية التي أدى بها تداخل السلطات، والخروج على فلسفة القانون الأساسي، إلى إحداث خلل عميق في بنية النظام السياسي الفلسطيني، ما تزال آثاره ممتدة حتى اليوم.

شهادة من داخل برلمان أُغلق مرتين… عندما بدأ الانقلاب من الإدارة

لا تستند هذه القراءة إلى روايات متداولة أو استنتاجات سياسية مجردة، وإنما إلى تجربة عشتها من داخل المؤسسة التشريعية الفلسطينية. فقد عملت في المجلس التشريعي الفلسطيني خلال المرحلة التي أعقبت الانتخابات التشريعية عام  2006 كما ذكرت، وكنت شاهداً على التحولات التي طرأت على علاقة السلطة التنفيذية بالمؤسسات الدستورية، وعلى الكيفية التي انتقل بها الخلاف السياسي من ساحته الطبيعية إلى مؤسسات الدولة وإدارتها.

بعد إعلان نتائج الانتخابات، كان من المفترض – وفقاً لأبسط قواعد النظام الديمقراطي – أن تبدأ مرحلة انتقال دستوري طبيعي، تتسلم خلالها الحكومة الجديدة مسؤولياتها، ويمارس المجلس التشريعي المنتخب اختصاصاته في التشريع والرقابة، بينما تؤدي الإدارة العامة دورها بوصفها جهازاً مهنياً محايداً، يخضع للقانون ويخدم الدولة بصرف النظر عن نتائج الانتخابات.

غير أن ما شهدته على أرض الواقع كان مختلفاً، فقد بدأت تصدر تعليمات شفهية، من خارج الأطر القانونية المعروفة، تدعو موظفين في مؤسسات السلطة إلى الامتناع عن التعامل مع الحكومة الجديدة، وإلى مقاطعة المجلس التشريعي، ووقف الإجراءات الإدارية والمالية اللازمة لاستمرار عمله. ولم تكن تلك الإجراءات مجرد خلافات إدارية أو اجتهادات تنظيمية، بل كانت، في آثارها العملية، تؤدي إلى شل مؤسسة دستورية منتخبة، وتعطيل قدرتها على أداء وظائفها التي أناطها بها القانون الأساسي. وجدنا أنفسنا، نحن العاملين في المجلس التشريعي، أمام اختبار لم يكن سياسياً بقدر ما كان قانونياً وأخلاقياً. هل ننصاع لتعليمات لا تستند إلى سند قانوني، أم نواصل أداء واجبنا الوظيفي التزاماً بالقانون وبقسم الوظيفة العامة؟

اخترنا الاستمرار في أداء واجبنا، لا انحيازاً إلى طرف سياسي، وإنما احتراماً للمبادئ التي يقوم عليها القانون الإداري، وفي مقدمتها مبدأ استمرارية المرفق العام، وحياد الموظف العام، وخضوع الإدارة للقانون لا للتجاذبات السياسية.

غير أن هذا الموقف لم يُنظر إليه باعتباره التزاماً مهنياً، بل عُدَّ خروجاً على السياسة التي كانت تُدار بها المرحلة. وكانت النتيجة أن تعرضت، ومعي عدد من الزملاء، لإجراءات عقابية شملت تجميد العمل ووقف الرواتب، رغم أننا لم نرتكب مخالفة قانونية أو تأديبية، ولم نتجاوز حدود واجباتنا الوظيفية، بل تمسكنا بها.

ولم تكن القضية بالنسبة إلينا قضية رواتب أو وظائف، بل كانت تتعلق بمبدأ دستوري أكبر: هل يجوز أن يُعاقب الموظف العام لأنه التزم بالقانون، بينما يُكافأ من يمتنع عن تنفيذ مقتضياته؟

لقد أدركت منذ تلك اللحظة أن ما يجري يتجاوز مجرد أزمة سياسية عابرة. فحين تُستخدم الإدارة العامة لإضعاف مؤسسة منتخبة، وتُسخَّر أدواتها للضغط على موظفين بسبب التزامهم بواجباتهم القانونية، فإن الأمر لم يعد خلافاً حول تشكيل حكومة أو توزيع صلاحيات، وإنما أصبح مساساً بجوهر الدولة الدستورية نفسها.

ولهذا السبب، فإنني أرى أن الأزمة التي انتهت بقرار حل المجلس التشريعي عام 2018 لم تبدأ في قاعة المحكمة الدستورية، وإنما بدأت في المكاتب الإدارية، وفي القرارات الشفهية، وفي تحويل الوظيفة العامة من أداة لتنفيذ القانون إلى وسيلة للتأثير في نتائج العملية الديمقراطية. ومن هنا، فإن فهم تلك المرحلة لا يكتمل إلا بإعادة قراءة ما جرى داخل المؤسسات قبل سنوات من صدور قرار الحل، لأن البدايات كثيراً ما تفسر النهايات. يسعى هذا المقال إلى تتبع ذلك المسار، من خلال الجمع بين الشهادة الشخصية، والتحليل الدستوري، وقراءة النصوص القانونية، لإبراز الكيفية التي انتقل بها النظام السياسي الفلسطيني من أزمة مؤسسات إلى أزمة شرعية، وما ترتب على ذلك من آثار ما تزال تلقي بظلالها على الواقع الفلسطيني حتى اليوم.

 

الانقلاب الإداري وصناعة التعطيل

لم يكن تعطيل المجلس التشريعي الفلسطيني نتيجة عجز ذاتي في بنيته أو بسبب قصور في أدائه، بل كان في جوهره نتيجة مسار إداري وسياسي استهدف إفراغ المؤسسة المنتخبة من قدرتها على ممارسة دورها الدستوري.

فبعد الانتخابات التشريعية عام 2006، التي أفرزت تركيبة سياسية جديدة، انتقل الخلاف من ميدان التنافس السياسي الطبيعي إلى ميدان المؤسسات العامة. وبدل أن تبقى الإدارة جهازاً محايداً يخدم الدولة والمواطن، جرى توظيفها في الصراع السياسي كما أسلفنا، وتحولت بعض أدوات السلطة التنفيذية إلى وسائل ضغط على المؤسسات التي أفرزتها صناديق الاقتراع.

ظهر ذلك من خلال تعطيل التعامل الإداري والمالي مع المجلس التشريعي والحكومة الجديدة، وعرقلة وصول الموارد اللازمة لاستمرار عمل المؤسسات، إضافة إلى ممارسة ضغوط على الموظفين العموميين لدفعهم إلى الامتناع عن أداء واجباتهم.

وهنا تكمن خطورة ما حدث؛ فالوظيفة العامة في الدولة الحديثة تقوم على مبدأ الحياد والاستمرارية، ولا يجوز أن تتحول إلى أداة لمعاقبة مؤسسة دستورية أو التأثير على نتائج الانتخابات. فالموظف العام لا يعمل لصالح حكومة أو حزب أو تيار سياسي، وإنما يعمل لصالح القانون والمرفق العام.

إن استخدام الإدارة لتعطيل مؤسسة منتخبة يمثل انقلاباً هادئاً لا يحتاج إلى دبابات أو قرارات استثنائية، لأنه يعمل من الداخل عبر شل القدرة التشغيلية للمؤسسة، وتجفيف مواردها، وإفقادها تدريجياً مقومات الاستمرار.

وهذا ما يجعل "الانقلاب الإداري" أخطر من مجرد خلاف سياسي عابر؛ لأنه ينقل الصراع من مستوى البرامج والأفكار إلى مستوى السيطرة على أدوات الدولة نفسها.

لقد كان تعطيل المجلس التشريعي بهذه الطريقة هو الخطوة الأولى في مسار طويل انتهى لاحقاً إلى استخدام حالة التعطيل التي نشأت بفعل هذه الإجراءات بوصفها مبرراً لحل المجلس عام 2018.

ومن هنا، فإن فهم الأزمة الدستورية الفلسطينية لا يبدأ من لحظة صدور قرار الحل، بل يبدأ من اللحظة التي تم فيها تحويل الإدارة العامة من وسيلة لخدمة القانون إلى أداة لإضعاف مؤسسة دستورية منتخبة.

من التعطيل الإداري إلى الحل الدستوري... كيف صُنعت الذريعة؟

إذا كانت الشهادة الشخصية تكشف كيف بدأ تعطيل المجلس التشريعي من داخل الإدارة العامة، فإن القراءة الدستورية تكشف الحلقة التالية من المشهد، وهي كيفية تحويل ذلك التعطيل نفسه إلى أساس قانوني لإنهاء المؤسسة التشريعية.

وهنا تبرز المفارقة التي تمثل، في تقديري، جوهر الأزمة الدستورية الفلسطينية. فالسلطة التنفيذية التي أسهمت في إضعاف المجلس عبر تعطيل موارده، وإرباك عمله، وإفراغه تدريجياً من قدرته على أداء وظائفه، عادت بعد سنوات لتستند إلى هذا الواقع ذاته بوصفه مبرراً لحله.

وبعبارة أخرى، لم يكن التعطيل واقعة مستقلة عن قرار الحل، بل كان جزءاً من المسار الذي انتهى إليه. فحين تُفرض ظروف تحول دون ممارسة المؤسسة لاختصاصاتها، ثم يُقال بعد ذلك إنها فقدت قدرتها على أداء دورها، فإن العلاقة بين السبب والنتيجة تصبح موضع تساؤل قانوني جاد.

ومن زاوية القانون الدستوري، يثير هذا المسار إشكالية لا تتعلق بمشروعية قرار الحل فحسب، وإنما بمبدأ أصيل من مبادئ العدالة، وهو أنه لا يجوز لأي سلطة أن تستفيد من نتائج وضع كانت هي سبباً مباشراً أو غير مباشر في إيجاده. فإحداث العجز، ثم الاحتجاج بهذا العجز لتبرير إنهاء المؤسسة التي أصابها، يطرح سؤالاً جوهرياً حول سلامة الأساس القانوني الذي بُني عليه القرار.

ومن هنا، فإن قراءة قرار المحكمة الدستورية الصادر عام 2018 لا ينبغي أن تنحصر في منطوقه، بل يجب أن تمتد إلى السياق الذي سبقه. فالقرارات الدستورية لا تُقرأ بمعزل عن الوقائع التي أفضت إليها، ولا عن الظروف التي شكلت البيئة التي صدرت فيها. وعندما يوضع قرار الحل في سياقه الكامل، يتبين أن الأزمة لم تكن وليدة لحظة قضائية، بل نتيجة مسار سياسي وإداري ودستوري متصل، بدأت ملامحه منذ السنوات الأولى التي أعقبت الانتخابات التشريعية، وانتهى بإزالة آخر مؤسسة منتخبة كانت تمثل إحدى ركائز النظام السياسي الفلسطيني.

المادة (47 مكرر) وحدود سلطة المحكمة الدستورية

تُعد المادة (47 مكرر) من القانون الأساسي الفلسطيني إحدى أهم الضمانات الدستورية لاستمرارية السلطة التشريعية ومنع الفراغ المؤسسي. وقد صيغت فلسفتها على نحو يربط انتهاء ولاية المجلس التشريعي بقيام مجلس جديد منتخب وأداء أعضائه اليمين الدستورية، بما يكفل استمرار التمثيل الشعبي ويحول دون خضوع وجود السلطة التشريعية لإرادة أي سلطة أخرى.

وتكشف هذه الصياغة عن قصد دستوري واضح؛ فالمشرع لم يجعل انتهاء ولاية المجلس مرتبطاً بانقضاء مدة زمنية مجردة، ولم يمنح أي جهة، بما في ذلك السلطة التنفيذية أو المحكمة الدستورية، صلاحية حل المجلس التشريعي خارج الحالات التي يقررها القانون الأساسي صراحة.

ومن ثم، فإن السؤال الجوهري لا يتعلق بمدى تعطل المجلس التشريعي، وإنما بحدود الاختصاص الدستوري للمحكمة. فالأصل في القضاء الدستوري أنه يفسر النصوص ويضمن احترامها، ولا ينشئ من خلال التفسير اختصاصات لم يقررها الدستور، ولا يضيف إلى النص ما لم يرد فيه.

وعندما أصدرت المحكمة الدستورية قرارها التفسيري عام 2018، استندت إلى واقع تعطّل المجلس التشريعي لتقرر اعتباره منقضياً وتكليف رئيس السلطة الوطنية بالدعوة إلى انتخابات تشريعية. غير أن هذا القرار أثار إشكالية دستورية عميقة، لأن النص الذي تولت المحكمة تفسيره لا يتضمن، في ظاهره أو مضمونه، تفويضاً يمنحها سلطة إنهاء ولاية المجلس أو حله، وإنما يحدد على سبيل الحصر الحالة التي تنتهي فيها هذه الولاية، وهي انتخاب مجلس جديد وأداء أعضائه اليمين الدستورية.

وهنا تبرز القاعدة الدستورية المستقرة، ومؤداها أن الاختصاصات الدستورية لا تُفترض ولا تُستنبط بطريق التوسع في التفسير، وإنما تستند إلى نص صريح. فإذا خلا القانون الأساسي من منح المحكمة سلطة حل المجلس التشريعي، فإن ممارسة هذا الاختصاص تثير تساؤلاً مشروعاً حول مدى اتساق القرار مع مبدأ المشروعية الدستورية.

وتزداد هذه الإشكالية وضوحاً إذا قورنت طريقة تفسير المادة (47 مكرر) بما جرى في شأن مؤسسة الرئاسة. فإذا كان تجاوز المدة الزمنية والتعطل المؤسسي قد اعتُبرا سبباً كافياً لإنهاء ولاية المجلس التشريعي، فإن المنطق الدستوري يقتضي التساؤل: لماذا لم يُطبق المعيار ذاته على باقي المؤسسات التي واجهت الإشكالية نفسها؟

إن هذا السؤال لا يستهدف المقارنة بين مؤسستين بقدر ما يهدف إلى اختبار مدى اتساق التفسير الدستوري مع مبدأ المساواة في تطبيق النصوص. فسيادة الدستور لا تتحقق بانتقاء الأحكام التي تُطبق على مؤسسة دون أخرى، وإنما بوحدة المعايير وخضوع جميع السلطات للقواعد الدستورية ذاتها.

ومن ثم، فإن جوهر الإشكال لا يكمن في وجود خلاف حول تفسير المادة (47 مكرر)، فهذا أمر تعرفه جميع الأنظمة الدستورية، وإنما في مدى جواز أن يتحول التفسير إلى وسيلة لإضافة اختصاص لم يمنحه القانون الأساسي أصلاً. وهنا تبرز القضية التي يثيرها هذا المقال: هل مارست المحكمة سلطة التفسير، أم أنها تجاوزت التفسير إلى إنشاء أثر دستوري جديد لم ينص عليه القانون الأساسي؟

المادة (37)، وفخ الفراغ الدستوري .. وحرمان الشعب من آلية عزل الرئيس

لم تتوقف التداعيات الكارثية لحل البرلمان عند غياب الرقابة والتشريع، بل أدت إلى إحداث شلل كامل في الآلية الدستورية الوحيدة المتاحة لعزل الرئيس في حال انعدام الأهلية القانونية.

{النص الكامل للمادة (37) من القانون الأساسي الفلسطيني:

1- يعتبر مركز رئيس السلطة الوطنية شاغراً في أي من الحالات الآتية:

أ- الوفاة.

ب- الاستقالة المقدمة إلى المجلس التشريعي الفلسطيني إذا قُبلت بأغلبية ثلثي أعضائه.

ج- فقد الأهلية القانونية وذلك بناءً على قرار من المحكمة الدستورية العليا وموافقة المجلس التشريعي بأغلبية ثلثي أعضائه.

2- إذا شغر مركز رئيس السلطة الوطنية في أي من الحالات السابقة، يتولى رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني مهام رئاسة السلطة الوطنية مؤقتاً لمدة لا تزيد عن ستين يوماً، تجرى خلالها انتخابات حرة ومباشرة لانتخاب رئيس جديد.}

ماذا يعني هذا النص؟

لقد وضع المشرِّع الفلسطيني آلية مركبة لحماية الدولة من فراغ الرئاسة:

1. قرار قضائي من المحكمة الدستورية بفقدان الأهلية.

2. مصادقة برلمانية من المجلس التشريعي بأغلبية ثلثي أعضائه.

3. انتقال مؤقت للسلطة إلى رئيس المجلس التشريعي لمدة 60 يوماً لإجراء انتخابات.

بحل البرلمان، دخلت البلاد في فخ اللا قانون: بحله عام 2018، أصبح تطبيق المادة (37) مستحيلاً عملياً:

  1. لا يوجد مجلس تشريعي ليُوافق على قرار المحكمة الدستورية بفقدان الأهلية (الفقرة 1/ج).
  2. لا يوجد رئيس للمجلس التشريعي ليتولى مهام الرئاسة مؤقتاً (الفقرة 2).
  3. لا توجد آلية لانتقال السلطة في حال شغر منصب الرئيس.

والنتيجة: لو واجه الرئيس عارضاً صحياً أو فقداناً للأهلية، فالبلد بأكمله سيدخل في فراغ دستوري كامل، ولن تكون هناك أي آلية شرعية لانتقال السلطة. هذا الفراغ المتعمد هو الذي شرّع لاحقاً سيل "الإعلانات الدستورية" والمراسيم الفردية (وآخرها التعديلات الانتخابية في يونيو 2026) لمحاولة ابتكار خطوط خلافة خارج إطار العقد الدستوري الأصلي. إنه حكم بالمرسوم والضرورة، لا صلة له بالقانون الأساسي.

ازدواجية الشرعية وتفسير النصوص بمسارين

كشفت أزمة حل المجلس التشريعي الفلسطيني عن إشكالية دستورية تتجاوز حدود القرار ذاته، وتمس جوهر مبدأ سيادة القانون. فقد بدا أن النصوص الدستورية لم تُطبق وفق معيار واحد، وإنما خضعت لقراءتين مختلفتين تبعاً للمؤسسة محل التطبيق. ففي حالة المجلس التشريعي، اعتُبر تعطله وعدم انعقاده سبباً كافياً لإنهاء ولايته، رغم أن القانون الأساسي ربط انتهاء ولاية المجلس بانتخاب مجلس جديد وأداء أعضائه اليمين الدستورية. أما في حالة مؤسسة الرئاسة، فقد جرى تبني تفسير مختلف، يقوم على مبدأ استمرارية السلطة ومنع الفراغ الدستوري، رغم انقضاء المدة المحددة للولاية دون إجراء انتخابات جديدة.

ولا يتعلق الأمر هنا بالمفاضلة بين المؤسستين، وإنما بضرورة إخضاعهما للمعيار الدستوري ذاته. فإذا كان مبدأ استمرارية المؤسسات يبرر استمرار الرئاسة، فلماذا لم يُطبق على المجلس التشريعي؟ وإذا كان تجاوز المدة الزمنية سبباً كافياً لإنهاء ولاية البرلمان، فلماذا لم يُحتكم إلى المعيار نفسه بالنسبة للرئاسة؟ إن وحدة الدستور تقتضي وحدة التفسير، لأن ازدواجية المعايير تفضي إلى تقويض الثقة في النظام الدستوري ذاته، وتفتح الباب أمام توظيف النصوص لخدمة موازين القوى السياسية، بدل أن تكون هذه النصوص قيداً على جميع السلطات دون استثناء.

ولهذا، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الاختلاف حول تفسير نص بعينه، وإنما في اختلاف منهج التفسير باختلاف الجهة التي يُطبق عليها النص. وعندما يصبح النص الواحد قابلاً لقراءتين متعارضتين بحسب مقتضيات الواقع السياسي، فإن الأزمة لا تعود أزمة تفسير، بل أزمة في سيادة الدستور نفسه.

الشرعية بين الدستور والعقد الاجتماعي

قد تواجه الأنظمة الدستورية ظروفًا استثنائية تفرض تأجيل الانتخابات أو تعطل بعض المؤسسات، إلا أن استمرار هذه الظروف لا يمنح أي سلطة حق تجاوز المبادئ التي يقوم عليها النظام الدستوري أو احتكار الشرعية إلى أجل غير معلوم.

وقد تناول فقهاء القانون والفلسفة السياسية هذه الإشكالية منذ قرون، وفي مقدمتهم جون لوك، الذي رأى أن السلطة ليست حقاً أصيلاً للحاكم، وإنما أمانة يفوضها الشعب لمن يتولى إدارة شؤونه. وتبقى هذه الأمانة مشروطة باحترام القانون، وصون الحقوق، والمحافظة على المؤسسات التي تمثل الإرادة العامة. ومن هذا المنطلق، فإن الشرعية الدستورية لا تقوم على مجرد استمرار السلطة في ممارسة اختصاصاتها، وإنما على استمرار احترام القواعد التي تستمد منها هذه السلطة مشروعيتها. فإذا تعطلت هذه القواعد، أو غابت آليات الرقابة والمساءلة، أو أُفرغت المؤسسات المنتخبة من مضمونها، فإن الأزمة تتجاوز حدود النصوص لتصبح أزمة شرعية سياسية ودستورية في آن واحد.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى تجاوز القانون، بل على العكس، فإن احترام القانون الأساسي يقتضي العودة إلى فلسفته الأصلية، القائمة على الفصل بين السلطات، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية، وعدم استبدال المؤسسات المنتخبة بحالة دائمة من الحكم الاستثنائي أو بالمراسيم التي تحل محل التشريع. فالشرعية ليست مجرد استمرار زمني للسلطة، وإنما هي علاقة ثقة متجددة بين الحاكم والمحكوم، قوامها احترام الدستور وسيادة القانون وخضوع الجميع، حكاماً ومحكومين، لأحكامه.

وهذا ما ينطبق تماماً على الحالة الفلسطينية اليوم:

  1. شلل المؤسسات المنتخبة (البرلمان وحكومة 2006) عبر الانقلاب الإداري.
  2. استخدام المال العام كسلاح سياسي ضد موظفين رفضوا التسييس.
  3. التواطؤ مع الاحتلال عبر التنسيق الأمني في وقت تُباد فيه غزة.
  4. الصمت المريب أمام أبشع جرائم الإبادة الجماعية.

كل هذه الأفعال تمثل نكثاً صريحاً وفاضحاً بالعقد الاجتماعي.

سابقة حكومة فيشي: القانونية الشكلية لا تحمي الخيانة

التاريخ الإنساني يزخر بالسوابق التي تثبت أن الشرعية الشكلية لا تحمي الخيانة السياسية. في فرنسا 1940، كانت حكومة فيشي بقيادة بيتان قانونية دستورياً، لكنها اختارت التنسيق مع النازي ضد شعبها. فلم يتردد الشعب الفرنسي والمقاومة في إعلان سقوط شرعيتها الوطنية ومحاكمتها بعد التحرير. اليوم، يتكرر المشهد ذاته في فلسطين، مع فارق أن المحتل هنا إسرائيلي، والتنسيق أمني، والصمت على الإبادة أعمق. هذا النموذج التاريخي يوضح بجلاء أن التنسيق مع المحتل ضد أبناء  الشعب يسحق الشرعية السياسية، مهما بلغت قوة المراسيم التي تحميها. والمقصود هنا هو المبدأ القانوني المتعلق بالشرعية والتعاون مع قوات الاحتلال، وليس المساواة الكاملة بين التجربتين.

حين يُغتصب القانون، يعود الحق إلى الشعب. وحين يُغتصب الشعب، لا يبقى للحاكم إلا السقوط

إن القضية التي تناولها هذا المقال لا تتعلق بقرار قضائي صدر عام 2018 فحسب، ولا بخلاف سياسي بدأ بعد انتخابات عام 2006، وإنما تتعلق بمسار دستوري كامل شهد انتقال النظام السياسي الفلسطيني من منطق المؤسسات إلى منطق إدارة الأزمات بالمراسيم والضرورات.

وقد حاولت، من خلال شهادتي الشخصية وما رافقها من قراءة قانونية للنصوص الدستورية، أن أبين أن الأزمة لم تبدأ بقرار حل المجلس التشريعي، وإنما بدأت منذ اللحظة التي فقدت فيها الإدارة العامة حيادها، وأصبح تعطيل المؤسسات المنتخبة جزءاً من أدوات الصراع السياسي. ولذلك، فإن معالجة هذه الأزمة لا تكون بإعادة إنتاج المؤسسات شكلياً، ولا بإصدار مزيد من المراسيم، وإنما بالعودة إلى الأساس الذي قام عليه القانون الأساسي الفلسطيني: سيادة الدستور، والفصل بين السلطات، واحترام الإرادة الشعبية، وصون المؤسسات الدستورية من أي تغول، أياً كان مصدره.

إن الدول لا تُقاس بقوة سلطاتها التنفيذية وحدها، وإنما بقدرتها على حماية مؤسساتها الدستورية وضمان خضوع جميع السلطات للقانون. وحين يستعيد الدستور مكانته بوصفه المرجعية العليا، تستعيد المؤسسات شرعيتها، ويستعيد الشعب ثقته بأن القانون هو الحاكم، لا موازين القوة ولا مقتضيات اللحظة السياسية.

ويبقى الأمل معقوداً على أن تكون هذه التجربة، بكل ما حملته من دروس، دافعاً لإعادة بناء النظام الدستوري الفلسطيني على أسس تضمن عدم تكرارها، وتعيد للمؤسسات دورها، وللدستور مكانته، وللشعب حقه الأصيل في أن يكون مصدر السلطات جميعاً، بدلاً من اللجوء إلي فسخ العقد الاجتماعي، فإن العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم ينفسخ تلقائياً بموجب القانون الطبيعي والتاريخي. فحين تُسد كل مسارات التغيير القانوني، وتُصادر صناديق الاقتراع، وتُغتال المؤسسات، لا يعود نداء الشعب الفلسطيني بإسقاط هذه القيادة مجرد خيار سياسي، بل يصبح أعلى درجات الواجب الوطني والدستوري لاسترداد الأمانة وإعادة السيادة إلى مصدرها الأصيل: الشعب. 

"من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكيلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم."ـ ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)ـ.

هذا المقال هو شهادة شخصية وتأصيل قانوني، ولا يعبر بالضرورة عن رأي أي جهة رسمية. الكاتب يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن محتواه.

                 د. إبراهيم رضوان

كاتب وباحث في الشؤون القانونية والسياسية 

 14/07/2026               

 

 

د. إبراهيم رضوان

كاتب وباحث في الشؤون القانونية والسياسية، ومستشار قانوني ومدير عام المجلس التشريعي الفلسطيني سابقاً

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال