14 يوليو 2026|القاهرة 28 °

بكير أتاجان يكتب: من محاولة انقلاب إلى إعادة تشكيل الدولة.. كيف غيّرت ليلة 15يوليو 2016 المسار الاستراتيجي لتركيا؟

لا يمكن فهم تركيا المعاصرة من خلال متابعة تطوراتها السياسية أو العسكرية بمعزل عن ليلة 15 يوليو 2016. فهذه الليلة لم تكن مجرد محاولة انقلاب عسكري فاشلة، بل مثلت لحظة تحول مفصلية أعادت صياغة بنية الدولة، وغيرت العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية، وأثرت في العقيدة الأمنية، والسياسة الخارجية، والاقتصاد، والهوية السياسية للدولة. ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس: لماذا فشل الانقلاب؟ وإنما: كيف غيّر فشل الانقلاب طبيعة الدولة التركية؟

بقلم: د. بكير أتاجان
منذ 1 ساعة
6 دقائق قراءة
4 مشاهدة
من محاولة انقلاب إلى إعادة تشكيل الدولة.. كيف غيّرت ليلة 15يوليو 2016 المسار الاستراتيجي لتركيا؟

من محاولة انقلاب إلى إعادة تشكيل الدولة.. كيف غيّرت ليلة 15يوليو 2016 المسار الاستراتيجي لتركيا؟

لا يمكن فهم تركيا المعاصرة من خلال متابعة تطوراتها السياسية أو العسكرية بمعزل عن ليلة 15 يوليو 2016. فهذه الليلة لم تكن مجرد محاولة انقلاب عسكري فاشلة، بل مثلت لحظة تحول مفصلية أعادت صياغة بنية الدولة، وغيرت العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية، وأثرت في العقيدة الأمنية، والسياسة الخارجية، والاقتصاد، والهوية السياسية للدولة. ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس: لماذا فشل الانقلاب؟ وإنما: كيف غيّر فشل الانقلاب طبيعة الدولة التركية؟

في أدبيات العلوم السياسية، تُوصف بعض الأحداث بأنها “منعطفات تاريخية حاسمة” (Critical Junctures)، وهي لحظات تؤدي إلى إعادة توجيه مسار الدول لعقود لاحقة. ويبدو أن 15 تموز يندرج ضمن هذا الإطار؛ إذ لم يقتصر أثره على إحباط محاولة للاستيلاء على السلطة، بل أطلق عملية إعادة هيكلة شاملة للدولة ومؤسساتها. ومن المهم أيضًا الإشارة إلى أن تقييم هذه التحولات لا يزال محل نقاش بين الباحثين، سواء فيما يتعلق بآثارها على الأمن القومي أو على التوازن بين متطلبات الأمن وسيادة القانون والحريات العامة.

لقد عرفت تركيا التدخلات العسكرية منذ بدايات الجمهورية، وشهدت انقلابات أو تدخلات مباشرة في أعوام 1960 و1971 و1980 و1997، وكان الجيش يُنظر إليه لعقود بوصفه أحد الفاعلين الرئيسيين في الحياة السياسية. أما بعد 2016، فقد اتجهت الدولة إلى ترسيخ مبدأ خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية المنتخبة، عبر إصلاحات مؤسسية وإعادة تنظيم هياكل القيادة والرقابة. وبغض النظر عن تقييم تفاصيل هذه الإصلاحات، فإنها شكلت انتقالًا واضحًا من نموذج كانت للمؤسسة العسكرية فيه مكانة سياسية خاصة إلى نموذج يعزز الدور القيادي للمؤسسات المدنية في إدارة شؤون الدولة.

ولم يقتصر التحول على العلاقة بين الجيش والسياسة، بل امتد إلى مفهوم الأمن القومي نفسه. فقد تبنت تركيا رؤية أكثر شمولًا للأمن، تربط بين القدرات العسكرية، والاستخبارات، والأمن السيبراني، والصناعة الدفاعية، وحماية البنية التحتية، والمرونة الاقتصادية. ويعكس هذا التحول إدراكًا متزايدًا بأن التهديدات الحديثة لا تأتي فقط عبر الجيوش التقليدية، وإنما أيضًا عبر الفضاء الرقمي، والاختراق المؤسسي، والهجمات على سلاسل الإمداد، وحروب المعلومات.

ومن هنا برزت الصناعات الدفاعية باعتبارها أحد أعمدة الأمن القومي. فقد تسارع الاستثمار في تطوير الطائرات المسيّرة، وأنظمة الدفاع الجوي، والبحرية، والصواريخ، والمقاتلة الوطنية، وتقنيات الفضاء، بهدف تقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين وتعزيز حرية القرار الاستراتيجي. ولم يعد تطوير الصناعات الدفاعية يُنظر إليه كمشروع اقتصادي فحسب، بل كأداة لتعزيز السيادة وتقليل التعرض للضغوط الخارجية.

كما انعكس هذا التحول على السياسة الخارجية. فقد اتجهت أنقرة إلى اتباع نهج أكثر استقلالية في إدارة علاقاتها الدولية، مع الحفاظ على عضويتها في حلف شمال الأطلسي، وفي الوقت ذاته تنويع شراكاتها الإقليمية والدولية. ولا يعني ذلك التخلي عن التحالفات التقليدية، بل توسيع هامش المناورة في بيئة دولية تتسم بتزايد المنافسة بين القوى الكبرى. ومن هذا المنظور، يمكن فهم السياسات التركية في البحر الأسود، وشرق المتوسط، وسوريا، والعراق، والقوقاز، والقرن الأفريقي باعتبارها جزءًا من رؤية أوسع لتعزيز المكانة الإقليمية وحماية المصالح الوطنية.

اقتصاديًا، أبرزت أحداث 2016 أهمية مفهوم “المرونة الاقتصادية” باعتباره مكونًا من مكونات الأمن القومي. فقد أظهرت الأزمة مدى تأثر الأسواق بالاضطرابات السياسية، ما دفع إلى التركيز بصورة أكبر على تنويع الشركاء، وتوطين بعض الصناعات الإستراتيجية، وتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات. ورغم استمرار تحديات اقتصادية معروفة، فإن الربط بين الأمن والاقتصاد أصبح أكثر حضورًا في عملية صنع القرار.

أما اجتماعيًا، فقد أفرزت تلك الليلة تحولًا في تصور العلاقة بين المواطن والدولة. فقد رأى قطاع واسع من المجتمع أن حماية النظام الدستوري ليست مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، بل مسؤولية المجتمع أيضًا. وفي المقابل، يرى باحثون أن المرحلة اللاحقة فتحت نقاشًا مستمرًا حول كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن والحفاظ على التعددية السياسية والحقوق والحريات، وهو نقاش لا يزال حاضرًا في المجالين الأكاديمي والسياسي.

وعلى المستوى الجيوسياسي، تجاوزت آثار 15 تموز حدود تركيا. فاستقرار دولة تمتلك موقعًا جغرافيًا يربط أوروبا بالشرق الأوسط والبحر الأسود والقوقاز، وتضم ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي من حيث عدد الأفراد، ينعكس على أمن الطاقة، والهجرة، والتوازنات الإقليمية، وتماسك الحلف نفسه. ومن ثم، فإن التحولات التي شهدتها مؤسسات الدولة التركية بعد 2016 أصبحت ذات أهمية تتجاوز الإطار الوطني، لأنها تؤثر في حسابات شركاء تركيا ومنافسيها على حد سواء.

وبعد مرور ما يقارب عقدًا على تلك الليلة، يمكن القول إن تركيا لم تخرج من محاولة الانقلاب كما كانت قبلها. فقد انتقلت من التركيز على إدارة الأزمات الداخلية إلى تبني رؤية أوسع للأمن والدور الإقليمي، مع تعزيز الاستثمار في التكنولوجيا الدفاعية، وتوسيع قدرات الاستخبارات، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومؤسساتها. وفي الوقت نفسه، لا تزال هذه التحولات تثير نقاشًا مشروعًا حول كيفية المواءمة بين الأمن، والحوكمة الرشيدة، وسيادة القانون، واستقلال المؤسسات، وهي عناصر تُعد جميعها جزءًا من قوة الدولة واستقرارها على المدى الطويل.

إن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من تجربة 15 تموز ليس أن تركيا نجحت في إفشال محاولة انقلاب فحسب، بل أن تلك التجربة دفعتها إلى إعادة التفكير في مفهوم الدولة ذاته. فالدول لا تُقاس بقدرتها على تجاوز الأزمات فقط، وإنما بقدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص لإعادة بناء مؤسساتها وتعزيز قدرتها على التكيف مع بيئة دولية متغيرة. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى 15 تموز بوصفها بداية مرحلة جديدة في تطور الدولة التركية، لا تزال آثارها تتفاعل مع التحولات الإقليمية والدولية، وستظل عاملًا مؤثرًا في رسم سياسات أنقرة وموقعها في النظام الدولي خلال السنوات المقبلة

د. بكير أتاجان

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال