14 يوليو 2026|القاهرة 28 °

عزات جمال يكتب: الاستنزاف الصامت: يشل الحياة ويفاقم المعاناة في مستشفيات غزة

في غزة، لا تقتصر الحرب على القصف والدمار، بل تمتد إلى حرب استنزاف صامتة تستهدف

بقلم: عزات جمال
منذ 5 ساعة
4 دقائق قراءة
6 مشاهدة
مستشفى غزة

مستشفى غزة

في غزة، لا تقتصر الحرب على القصف والدمار، بل تمتد إلى حرب استنزاف صامتة تستهدف مقومات الحياة نفسها، حتى باتت قطع الغيار والزيوت والإطارات أدوات حصار لا تقل فتكًا عن القذائف والصواريخ؛ لأنها تشل قدرة المستشفيات وسيارات الإسعاف على أداء رسالتها الإنسانية.

فلم يعد استهداف القطاع الصحي في غزة يقتصر على قصف المستشفيات أو استهداف الطواقم الطبية، بل امتد إلى شل القدرة على الحركة نفسها. إذ تحذر وزارة الصحة في غزة من كارثة إنسانية متصاعدة نتيجة المنع الصارم لدخول الزيوت وقطع الغيار والإطارات وكل ما يتعلق بصيانة المركبات والمولدات والأجهزة الطبية. وقد تبدو هذه المواد للوهلة الأولى "مدنية"، لكنها في الواقع تمثل شريان الحياة الذي يربط المرضى بالمستشفيات، والجرحى بفرص النجاة.

وتكشف الأرقام حجم الأزمة المصطنعة التي تعمقها سياسات الاحتلال الإسرائيلي. ووفقًا لما نشرته وزارة الصحة، فقد خرجت 39 مركبة إسعاف من أصل 82 عن الخدمة بالكامل، أي ما يقارب 48% من أسطول الإسعافات المنهك بفعل ثلاثة أعوام من العمل المتواصل في ظل الغارات والقصف، بينما أصبحت نحو 70% من مركبات الإسعاف مهددة بالتوقف إذا استمر منع إدخال المستلزمات الفنية.

وفي الوقت نفسه، تشرف الطواقم الفنية على ما يقارب 5000 حركة نقل أسبوعيًا للمرضى والكوادر الطبية، في حين تحتاج المركبات العاملة إلى 250 لترًا فقط من الزيوت شهريًا للحفاظ على الحد الأدنى من التشغيل، وهو احتياج محدود مقارنة بما قد يترتب على غيابه من خسائر في الأرواح.

وتزداد خطورة هذا الأمر إذا ما وُضع في سياق الواقع الصحي المنهك في غزة؛ فالمستشفيات تعمل في ظروف استثنائية، وتعاني نقصًا حادًا في الأدوية والمستهلكات الطبية والوقود، فيما تستقبل أعدادًا كبيرة من الجرحى والمرضى يوميًا بفعل استمرار الغارات والقصف. وفي مثل هذه الظروف، فإن تأخر سيارة إسعاف دقائق معدودة قد يعني فقدان مريض أو مصاب فرصة النجاة، خصوصًا أن كثيرًا من الحالات تحتاج إلى تدخل عاجل ورعاية مركزة.

ولا يقتصر هذا الواقع على كونه أزمة إنسانية، بل يمثل كذلك انتهاكًا صريحًا لقواعد القانون الدولي الإنساني. إذ تؤكد اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب، إلى جانب البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، وجوب احترام وحماية الوحدات الطبية ووسائل النقل الصحي، وضمان استمرار عملها وعدم عرقلتها أو حرمانها من المستلزمات اللازمة لأداء مهامها الإنسانية. وعندما تُمنع المواد اللازمة لصيانة سيارات الإسعاف وتشغيلها، فإن النتيجة العملية تتمثل في تقويض القدرة على تقديم الرعاية الصحية، بما ينعكس مباشرة على حق المدنيين في العلاج والحياة، ويضاعف من حجم الكارثة الإنسانية التي يحياها السكان.

إن الأزمة المصطنعة بفعل سياسات الاحتلال الإسرائيلي وإجراءاته العقابية بحق سكان القطاع المحاصر لا تتعلق بنقص الزيوت أو الإطارات أو المعدات فحسب، بل بمصير آلاف المرضى الذين يعتمدون على سيارة إسعاف قد لا تصل.

ففي غزة يجب على العالم أن يعلم، أن سيارات الإسعاف لا تتوقف بسبب عطل ميكانيكي، بل بفعل سياسة حصار تحوّل أبسط المستلزمات إلى أدوات استنزاف. وحين تُمنع قطعة غيار من الوصول، قد لا يكون ما يتوقف مجرد محرك؛ بل فرصة إنسان في النجاة!

عزات جمال

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال