كانت السماء تمطر ضوءًا خفيفًا حين جلس في المطار، حقيبته الصغيرة عند قدميه، ونظرته معلقة في لوحة المغادرة التي تغيّر الأرقام بلا اكتراث.
كان يبدو كمن ينتظر شيئًا لا يعرف إن كان سفرًا… أم خلاصًا من فكرةٍ ثقيلة.
اقتربت امرأة، جلست في المقعد المقابل.
ملامحها هادئة، وفي يدها كتاب نصفه مطويّ بعلامةٍ زرقاء.
لم يتبادلا التحية، لكنّ العيون فعلت ما عجزت عنه الألسن.
نظرة قصيرة، تبعتها أخرى أطول، ثم سكونٌ يشبه وعدًا مؤجلاً.
حين أُعلن عن الصعود إلى الطائرة، سارا في صفّين متوازيين، دون أن يقصدا ذلك، حتى وجدا نفسيهما في المقاعد المتجاورة.
لم يتحدثا… الهواء داخل الطائرة كان مشبعًا برائحة القهوة والخوف، وصوت المحركات يهمس كأنّه قلب يتردد في الاعتراف.
من النافذة، كانت المدن تنكمش تحت الغيم.
قالت بصوتٍ منخفض:
«غريب أن تسافر ولا تدري هل أنت هارب أم ذاهب نحو شيء».
ابتسم ولم يجب.
كانت الجملة كأنها نُزعت من صدره قبل أن يقولها.
هبطت الطائرة.
في الممر الطويل نحو الجوازات، مشت أمامه بخطوات واثقة، كأنها تعرف الطريق أكثر منه.
عند البوابة الأخيرة، التفتت نحوه لحظةً، ابتسمت تلك الابتسامة الغامضة التي تشبه اعترافًا ناقصًا، ثم مضت… بقي واقفًا هناك، بين بوابتين، لا يعرف أيهما باب الرحيل، وأيهما باب الفقد.







