23 يوليو 2026|القاهرة 28 °

«النصر التالي» لواشنطن: هل تستطيع الولايات المتحدة فرض سلام منفرد بين لبنان وإسرائيل؟

يبدو أن الهدف لا يقتصر على معالجة العلاقة الثنائية بين لبنان وإسرائيل، بل يمتد إلى محاولة إعادة تعريف موقع لبنان داخل النظام الإقليمي.

بقلم: د. بكير أتاجان
منذ 3 ساعة
6 دقائق قراءة
6 مشاهدة
لبنان وإسرائيل يوقعان على اتفاق إطاري برعاية أمريكية

لبنان وإسرائيل يوقعان على اتفاق إطاري برعاية أمريكية

أثار تقرير نشره معهد الشرق الأوسط في واشنطن تحت عنوان «النصر التالي لأميركا هو إبرام سلام منفرد بين لبنان وإسرائيل» نقاشًا سياسيًا واستراتيجيًا واسعًا، بعدما قدّم هذا المسار باعتباره أحد أهم الإنجازات التي يمكن للإدارة الأمريكية تحقيقها في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.

ينطلق التقرير من فرضية مفادها أن التوصل إلى اتفاق سلام لبناني–إسرائيلي لن يقتصر أثره على إنهاء أحد أقدم ملفات الصراع العربي–الإسرائيلي، بل سيعيد رسم موازين القوى في المشرق، ويمنح الولايات المتحدة نجاحًا سياسيًا واستراتيجيًا يعزز نفوذها الإقليمي في مرحلة تشهد تغيرات متسارعة في بنية النظام الإقليمي.

غير أن هذه الرؤية تثير تساؤلات جوهرية حول مدى انسجامها مع الواقع السياسي والقانوني والاستراتيجي في المنطقة، وما إذا كانت تستند إلى معطيات قابلة للتحقق، أم أنها تعكس تصورًا أمريكيًا يسعى إلى إعادة هندسة البيئة السياسية في المشرق العربي بما يخدم أولويات السياسة الخارجية الأمريكية.

ومن خلال قراءة مضمون التقرير، يبدو أن الهدف لا يقتصر على معالجة العلاقة الثنائية بين لبنان وإسرائيل، بل يمتد إلى محاولة إعادة تعريف موقع لبنان داخل النظام الإقليمي، وفصل مساره السياسي عن الإطار العربي التقليدي الذي ربط تاريخيًا أي سلام شامل مع إسرائيل بحل القضية الفلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية ومبدأ حل الدولتين.

وهنا تبرز معضلة أساسية؛ إذ لا تزال دول عربية وإسلامية ذات ثقل سياسي وإقليمي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية وتركيا، تؤكد في مواقفها الرسمية أن أي تطبيع شامل أو سلام دائم مع إسرائيل يظل مرتبطًا بقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وهو ما يجعل أي محاولة لدفع لبنان نحو اتفاق منفرد تصطدم باعتبارات سياسية وإقليمية تتجاوز الإرادة اللبنانية وحدها.

ويشير التقرير، الذي شارك في إعداده السفير الأمريكي السابق في لبنان ديفيد هيل إلى جانب عدد من الأكاديميين اللبنانيين، إلى أن السلام اللبناني–الإسرائيلي يمكن أن يشكل «الجائزة الكبرى» للسياسة الأمريكية في المنطقة، ويضع ثلاثة شروط رئيسية لتحقيق هذا الهدف.

الشرط الأول يتمثل في بناء دولة لبنانية ذات سيادة كاملة.

غير أن مفهوم السيادة، كما يطرحه التقرير، يظل بحاجة إلى تعريف أكثر دقة. فهل المقصود هو حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية فقط، كما تنص عليه قرارات الحكومة اللبنانية، أم أن السيادة تشمل أيضًا امتلاك الدولة القدرة العسكرية والسياسية والاقتصادية الكفيلة بحماية أراضيها وردع أي اعتداءات خارجية، بما فيها الاعتداءات الإسرائيلية؟ فالقانون الدولي لا يختزل مفهوم السيادة في احتكار أدوات القوة الداخلية، وإنما يربطه أيضًا بقدرة الدولة على ممارسة سلطاتها بحرية وحماية سلامة إقليمها واستقلال قرارها الوطني.

أما الشرط الثاني، فهو إنهاء الصراع اللبناني–الإسرائيلي بصورة نهائية.

إلا أن تحقيق هذا الهدف لا يعتمد على الإرادة اللبنانية وحدها، بل يرتبط بمجموعة معقدة من الملفات العالقة، وفي مقدمتها النزاعات الحدودية، ومستقبل المناطق التي يعتبرها لبنان أراضي محتلة، وآليات تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، إضافة إلى البيئة الإقليمية التي لا تزال تشهد صراعات مفتوحة في فلسطين وسوريا واليمن، فضلًا عن التوتر المستمر بين إسرائيل وإيران.

أما الشرط الثالث، فيتمثل في تفكيك حزب الله باعتباره أحد أهم مكونات ما يعرف بمحور المقاومة.

وهنا يطرح التقرير قضية ذات أبعاد تتجاوز التنظيم ذاته. فحتى لو افترضنا تحقق هذا السيناريو، فإن السؤال الأعمق يتمثل في ما إذا كان إنهاء تنظيم معين يؤدي بالضرورة إلى انتهاء الظاهرة السياسية والاجتماعية التي أوجدته. إذ تشير تجارب عديدة في الشرق الأوسط إلى أن الحركات المسلحة غالبًا ما تكون نتاج بيئات سياسية وأمنية معقدة، وأن معالجة نتائجها دون معالجة أسبابها لا تؤدي بالضرورة إلى إنهاء الظاهرة، بل قد تفضي إلى إعادة إنتاجها بأشكال مختلفة.

وفي المقابل، يثير التقرير تساؤلات لا تقل أهمية بشأن الموقف الإسرائيلي نفسه.

فهل تبدو إسرائيل مستعدة، في ظل سياساتها الحالية، لإبرام سلام دائم مع لبنان؟ هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في ظل استمرار الخلافات الحدودية بين الجانبين، واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في أكثر من ساحة إقليمية، إضافة إلى الحرب في قطاع غزة، والتوتر مع إيران، وما يرافق ذلك من جدل دولي واسع حول مستقبل الأمن الإقليمي.

كما أن أي مشروع سلام لا يمكن عزله عن طبيعة البيئة السياسية داخل إسرائيل نفسها، حيث تشهد الساحة الإسرائيلية انقسامات حادة بشأن قضايا الأمن والحدود ومستقبل الأراضي الفلسطينية، وهو ما يجعل أي اتفاق محتمل مرتبطًا أيضًا بالتوازنات الداخلية الإسرائيلية، وليس فقط بالموقف اللبناني أو الأمريكي.

ومن منظور استراتيجي أوسع، يبدو أن الولايات المتحدة تنظر إلى الملف اللبناني باعتباره جزءًا من مشروع أشمل لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية بعد سنوات من التحولات التي شهدها الشرق الأوسط. فنجاحها في التوصل إلى اتفاق لبناني–إسرائيلي، إذا تحقق، قد يُستخدم بوصفه نموذجًا يمكن البناء عليه لإعادة تشكيل شبكة التحالفات الإقليمية وتقليص نفوذ القوى المناوئة لواشنطن.

غير أن هذا التصور يواجه تحديات عديدة؛ إذ إن البيئة الإقليمية الراهنة تختلف جذريًا عن تلك التي أُبرمت فيها اتفاقيات السلام السابقة، سواء من حيث تعدد الفاعلين غير الدولتيين، أو تشابك ملفات الأمن والطاقة والاقتصاد، أو تصاعد الاستقطاب الدولي بين القوى الكبرى، وهو ما يجعل فرص الوصول إلى تسويات منفردة أكثر تعقيدًا مما توحي به بعض التصورات النظرية.

وفي المحصلة، فإن تقرير معهد الشرق الأوسط يعكس رؤية أمريكية تسعى إلى إعادة صياغة المشهد الإقليمي انطلاقًا من لبنان، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام أسئلة أكثر مما يقدم من إجابات. فنجاح أي مشروع سلام لا يتوقف على الرغبة الأمريكية أو الضغوط الدبلوماسية وحدها، بل يتطلب بيئة إقليمية مستقرة، وتسوية عادلة للنزاعات القائمة، وتوافقًا سياسيًا داخليًا وإقليميًا، وهي شروط لا تبدو متوافرة بصورة كاملة في المرحلة الراهنة.

وعليه، فإن الحديث عن «النصر التالي» لواشنطن يبقى، في الظروف الحالية، أقرب إلى تصور استراتيجي يسعى إلى استشراف مستقبل المنطقة منه إلى مشروع سياسي تتوافر له مقومات التنفيذ الفعلي، في ظل استمرار تعقيدات الصراع العربي–الإسرائيلي وتداخل الملفات الأمنية والسياسية والإقليمية التي تجعل أي سلام منفرد مسألة شديدة الحساسية والتعقيد.

د. بكير أتاجان

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال