لم يعد لبنان، في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، مجرد ساحة تتقاطع فيها المصالح الإيرانية والعربية والغربية، بل أصبح جزءاً من معادلة إقليمية أوسع تتعلق بإعادة تشكيل النظام السياسي والأمني في المشرق العربي. وفي قلب هذه التحولات يبرز فاعل إقليمي يسعى إلى توسيع حضوره بهدوء وبأدوات متعددة، هو تركيا، التي باتت تنظر إلى لبنان باعتباره امتداداً طبيعياً للعمق الاستراتيجي الذي بدأ يتشكل في سوريا بعد التحولات الجذرية التي شهدتها الأخيرة.
لقد غيّر سقوط النظام السوري البيئة الجيوسياسية للمنطقة بصورة عميقة. فأنقرة، التي كانت طوال سنوات الحرب السورية طرفاً رئيسياً في معادلات الصراع، تمتلك اليوم شبكة واسعة من العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية مع القيادة السورية الجديدة، وهو ما يمنحها هامشاً متزايداً للتأثير في مستقبل سوريا، وإعادة إعمارها، وترتيباتها الأمنية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق، لم يعد لبنان بالنسبة لصانع القرار التركي مجرد دولة مجاورة لسوريا، بل يمثل الحلقة التالية في مشروع أوسع لإعادة بناء التوازنات الإقليمية في المشرق العربي.
ورغم أن الحضور التركي داخل لبنان لا يزال أقل حجماً مقارنة بالنفوذ الإيراني أو الخليجي أو الغربي، فإن قراءة اتجاهات السياسة التركية تشير إلى أن أنقرة لا تسعى إلى تحقيق اختراق سريع أو فرض نفوذ مباشر، بل تعمل وفق استراتيجية طويلة الأمد تقوم على بناء النفوذ التدريجي عبر مؤسسات الدولة، والتنمية الاقتصادية، والدبلوماسية، والقوة الناعمة، بما يضمن لها حضوراً أكثر استدامة وأقل كلفة من نماذج النفوذ التقليدية.
ويستند هذا التوجه إلى حقيقة جيوسياسية تتمثل في أن مستقبل لبنان بات أكثر ارتباطاً بالتطورات السورية من أي وقت مضى. فمع بدء مرحلة جديدة من التعاون بين دمشق وبيروت في ملفات ترسيم الحدود، ومكافحة التهريب، وتنظيم حركة المعابر، وإنشاء اللجان الأمنية والاقتصادية المشتركة، تتشكل بيئة قد تتيح لأنقرة، بحكم علاقاتها الوثيقة مع دمشق، ممارسة تأثير غير مباشر في عدد من الملفات اللبنانية، دون أن تكون طرفاً رسمياً فيها.
ولا يقتصر الاهتمام التركي بلبنان على الاعتبارات الأمنية المرتبطة بسوريا، بل يمتد إلى الحسابات الجيوسياسية في شرق البحر الأبيض المتوسط، الذي تحول خلال العقد الأخير إلى إحدى أكثر مناطق العالم تنافساً بفعل اكتشافات الغاز الطبيعي، ومشاريع الطاقة، وإعادة رسم خرائط النقل البحري. فمنذ سنوات تخوض تركيا منافسة مع اليونان وقبرص وعدد من القوى الإقليمية والدولية حول ترسيم الحدود البحرية واستثمار حقول الغاز، الأمر الذي يجعل أي حضور سياسي أو اقتصادي لها في لبنان إضافة مهمة إلى موقعها في معادلات شرق المتوسط.
وتدرك أنقرة أن الموانئ اللبنانية، ولا سيما ميناء طرابلس، قد تتحول مستقبلاً إلى عقدة لوجستية تربط الاقتصاد السوري بطرق التجارة البحرية الدولية، خصوصاً مع انطلاق مشاريع إعادة الإعمار في سوريا. كما يمكن أن تصبح هذه الموانئ جزءاً من شبكات النقل والطاقة التي قد تربط الخليج وبلاد الشام وأوروبا عبر البحر المتوسط، وهو ما ينسجم مع الرؤية التركية الهادفة إلى تعزيز موقعها بوصفها مركزاً إقليمياً للطاقة والتجارة والعبور.
وفي حال نجحت مشاريع الربط الاقتصادي الإقليمي، سواء عبر الممرات التجارية الجديدة أو شبكات الطاقة العابرة للحدود، فإن موقع لبنان قد يكتسب أهمية استراتيجية متجددة، ليس فقط باعتباره منفذاً بحرياً لسوريا، وإنما أيضاً باعتباره محطة ضمن شبكة اقتصادية أوسع تربط الخليج وبلاد الشام وشرق المتوسط. ومن هذا المنظور، يبدو الاهتمام التركي بلبنان جزءاً من رؤية أشمل تتجاوز الاعتبارات الثنائية، لتتصل بإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة.
وفي البعد الأمني، ترى تركيا أن استقرار لبنان لم يعد شأناً لبنانياً داخلياً فحسب، بل أصبح عنصراً مؤثراً في منظومة أمنها القومي. فالتداخل الجغرافي بين سوريا ولبنان، وتشابك ملفات الحدود واللاجئين والجريمة المنظمة وتهريب السلاح والمخدرات، يجعل أي اضطراب في لبنان قابلاً للانعكاس على الداخل السوري، ومن ثم على الأمن التركي. ولذلك تنظر أنقرة إلى استقرار مؤسسات الدولة اللبنانية باعتباره جزءاً من استقرار البيئة الإقليمية المحيطة بها.
وفي الوقت نفسه، تدرك القيادة التركية أن إيران استطاعت، على مدى عقود، بناء نفوذ واسع داخل لبنان عبر “حزب الله”، وأن هذا النفوذ أصبح جزءاً من التوازنات الداخلية والإقليمية. إلا أن السياسة التركية لا تبدو قائمة على الدخول في مواجهة مباشرة مع هذا الواقع، وإنما على بناء توازن جديد داخل مؤسسات الدولة اللبنانية يسمح لأنقرة بأن تصبح شريكاً مؤثراً في مستقبل لبنان، دون الانخراط في صدام مباشر مع مختلف القوى اللبنانية أو مع اللاعبين الإقليميين.
ومن هنا، تتجه السياسة التركية إلى الاستثمار في المؤسسات الرسمية اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، باعتباره المؤسسة الوطنية الأكثر قبولاً داخلياً وخارجياً. فالتعاون العسكري القائم بين أنقرة وبيروت، واستمرار مشاركة القوات التركية ضمن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، يعكسان رغبة تركية في المساهمة في استقرار الجنوب اللبناني ودعم مؤسسات الدولة، خاصة في ظل الضغوط الدولية المتزايدة الرامية إلى تعزيز احتكار الدولة للسلاح وترسيخ مؤسساتها الأمنية.
وبموازاة ذلك، تواصل تركيا توظيف أدوات القوة الناعمة التي أثبتت فعاليتها في مناطق عديدة من العالم. فقد كان حضورها الإنساني واضحاً عقب انفجار مرفأ بيروت عام 2020، عندما كانت من أوائل الدول التي أرسلت فرق الإنقاذ والمساعدات الطبية والإنسانية، وهو ما ترك أثراً إيجابياً لدى قطاعات واسعة من المجتمع اللبناني.
كما توسعت المشاريع التنموية التي تنفذها الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا) في عدد من المناطق اللبنانية، ولا سيما في طرابلس وعكار، عبر مشاريع تتعلق بالبنية التحتية، ودعم الزراعة، وترميم المواقع التاريخية، وتأهيل المؤسسات التعليمية والخدمية. ولا تنبع أهمية هذه المشاريع من بعدها التنموي فقط، وإنما من بعدها الجيوسياسي أيضاً، إذ تقع هذه المناطق على تماس مباشر مع الحدود السورية، ويمكن أن تتحول مستقبلاً إلى بوابة اقتصادية بين دمشق وبيروت، بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية المنتظرة في مرحلة إعادة إعمار سوريا.
أما في المجال الثقافي، فتستثمر تركيا بصورة متزايدة في بناء علاقات طويلة الأمد مع المجتمع اللبناني عبر المنح الجامعية، والبرامج الأكاديمية، والتبادل الثقافي، وتعليم اللغة التركية، وترميم الإرث التاريخي المشترك. ورغم اختلاف النظرة اللبنانية إلى هذا الإرث، فإن أنقرة تعتبر البعد الثقافي أحد أهم أدوات ترسيخ النفوذ الناعم وبناء جسور مع الأجيال الجديدة والنخب المستقبلية.
ومع اتساع النفوذ التركي في سوريا، قد تصبح قدرة أنقرة على التأثير في لبنان أكبر مما كانت عليه في السابق، ليس عبر التدخل المباشر، وإنما من خلال شبكة العلاقات التي تربط دمشق وبيروت، وعبر المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة التي بدأت تتبلور بين البلدين. ومن ثم، فإن أي انفتاح سوري على لبنان أو إطلاق مسارات جديدة للتعاون الثنائي قد يفتح أمام تركيا مساحة إضافية للحركة داخل الساحة اللبنانية.
إلا أن هذا المسار لا يخلو من تحديات كبيرة. فالنظام السياسي اللبناني شديد الحساسية تجاه أي نفوذ خارجي، كما أن التوازنات الطائفية، والانقسامات الداخلية، وتعدد اللاعبين الإقليميين والدوليين، تجعل أي مشروع نفوذ عرضة للموازنة والاحتواء. ويضاف إلى ذلك أن التحديات الاقتصادية التي تواجهها تركيا قد تؤثر في حجم الموارد التي تستطيع توظيفها خارجياً مقارنة بما فعلته في مراحل سابقة.
وعلى المستوى الدولي، لا يمكن تجاهل أن الولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي ما زالوا يحتفظون بأدوار مؤثرة داخل لبنان، سواء عبر دعم الجيش اللبناني، أو المساعدات الاقتصادية، أو الانخراط في جهود الإصلاح والاستقرار. ومن ثم، فإن أي توسع تركي لن يكون بديلاً عن هذا الحضور، بل سيكون مضطراً للتعايش معه، وربما التنسيق معه في بعض الملفات، والتنافس معه في ملفات أخرى.
وفي المقابل، لا تمر هذه التحولات من دون حسابات إقليمية معقدة. فالدول الخليجية، رغم ترحيبها بأي تراجع للنفوذ الإيراني، تراقب بحذر حدود الدور التركي، وتسعى إلى ضمان ألا يتحول إلى نفوذ مهيمن يعيد إنتاج توازنات جديدة على حساب مصالحها. أما إسرائيل، فتنظر إلى أي توسع تركي في لبنان باعتباره تطوراً يستحق المتابعة، في ضوء التوتر السياسي المزمن مع أنقرة، وإدراكها أن أي حضور تركي متزايد على الضفة الشرقية للمتوسط قد يؤثر في معادلات الأمن والطاقة في المنطقة.
أما إيران، التي فقدت جزءاً مهماً من نفوذها الاستراتيجي في سوريا، فتدرك أن لبنان يمثل آخر ركائز حضورها في المشرق العربي، الأمر الذي يجعلها أكثر حساسية تجاه أي محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل الساحة اللبنانية، حتى وإن جاءت عبر أدوات سياسية أو اقتصادية لا تحمل طابعاً عسكرياً مباشراً.
في المحصلة، لا يبدو أن تركيا تسعى إلى استبدال نفوذ بآخر أو إعادة إنتاج نماذج الهيمنة التقليدية، بقدر ما تعمل على تثبيت نفسها لاعباً أساسياً في معادلات المشرق الجديد. ويعتمد نجاح هذه الاستراتيجية على قدرتها على الجمع بين النفوذ السياسي، والشراكات الاقتصادية، والتعاون الأمني، والاستثمار في القوة الناعمة، مع مراعاة خصوصية التوازنات اللبنانية وتعقيدات النظام الإقليمي.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت تركيا ستسعى إلى توسيع حضورها في لبنان، بل كيف ستفعل ذلك، وإلى أي مدى ستنجح في المواءمة بين طموحاتها الإقليمية وتعقيدات الساحة اللبنانية. فلبنان لم يعد مجرد دولة تعاني أزمات داخلية، بل أصبح إحدى ساحات اختبار النظام الإقليمي الجديد، حيث تتنافس القوى الإقليمية والدولية عبر الاقتصاد والطاقة والممرات التجارية والدبلوماسية ومؤسسات الدولة، أكثر مما تتنافس عبر القوة العسكرية التقليدية. وفي هذا السياق، قد تكون بيروت، كما كانت دمشق في مراحل سابقة، إحدى الساحات التي ستعكس شكل التوازنات الجديدة في شرق المتوسط والمشرق العربي خلال العقد المقبل.









