مقدمة: حماقة واشنطن ورصانة دول الجوار الإقليمي:
شكل الاجتماع السابع لما يسمى ب: "صيغة موسكو للمشاورات" بشأن أفغانستان (Moscow Format) والذي انعقد في العاصمة الروسية يوم السابع من أكتوبر 2025، منعطفاً حاسماً في إدارة الملف الأفغاني.
ففي الوقت الذي تتعثر فيه الدبلوماسية الأمريكية في بناء الثقة مع حلفائها، ويواجه الرئيس دونالد ترامب ردود فعل عنيفة إزاء مطالبه بشأن استعادة قاعدة بغرام الجوية (Bagram Air Base)، نجحت القوى الإقليمية في تشكيل جبهة موحدة لدعم كابول.
هذا التناقض الجيوسياسي يبرز فشل استراتيجية الإدارة الأمريكية في استقطاب الأصدقاء أو حتى "شراء" الاستقرار، مقابل نجاح القوى الآسيوية في استثمار هذا الفشل لصالح الاندماج الإقليمي لكابول.
وقد كان يمكن لواشنطن، ببعض المرونة الدبلوماسية وبالاستعانة بكل من قطر وباكستان وتركيا، وبرفع التجميد عن الأموال الأفغانية، أن تشارك أفغانستان في الاستفادة من الثروات الطبيعية الهائلة هناك بتعدينها وتصنيعها وتسويقها عبر شركاتها وبتكلفة صفرية بتمويل خليجي.
فكما قال الشاعر أبو العلاء المعري:
" لكل داء دواء يُستطب بهِ ...
إلا الحماقة أعيت من يداويها " !!.
وقد جاء هذا الاجتماع كإعلان واضح عن أن مستقبل أفغانستان يحدده الآن الجوار الإقليمي، بعيداً عن الإملاءات الغربية.
🟥 صدى قاعدة "بغرام" والتفريط في مبدأ "الجميع يربحون" (Win-Win):
عادت إلى الواجهة أزمة "قاعدة بغرام الجوية" (Bagram Air Base)، القلب الاستراتيجي السابق للوجود العسكري الأمريكي.
وتكمن أهمية "بغرام" في موقعها الفريد الذي يمكنها من مراقبة أجزاء واسعة من الصين وروسيا وإيران.
ولعلمي بامتلاك الولايات المتحدة للمعرفة والتكنولوجيا الأعلى في العالم في مجال التعدين، واحتفاظها بخرائط دقيقة لأماكن المناجم واحتياطياتها والتي استخدمت فيها الأقمار الصناعية وتقنيات متقدمة للغاية، وقدرتها بسهولة تامة من جمع التكاليف اللازمة لذلك من دول تابعة تحتفظ بثرواتها في بنوكها، فقد طالبتُ شخصيا، عبر منصات إعلامية مختلفة منذ سنوات، بأن تبادر الولايات المتحدة إلى إصلاح ما أفسدته في أفغانستان بتقديم المعرفة (Knowledge) و التكنولوجيا (Technology) اللازمة لاستخراج الثروات المعدنية على أساس المصالح المشتركة ومبدأ الجميع يربحون (Win-Win).
كان هذا هو الطريق الأقصر برأيي لضمان شيء من النفوذ الناعم والمستدام والذي قد يكون مقبولا بشروط الأفغان، لكن واشنطن فرطت في هذا الكنز الأفغاني لأعدائها المحتملين، ثم جلست "بجوار الحائط تبكي كالصغار".
وبعد هزيمة مذلة وانسحاب عشوائي لقوات الولايات المتحدة من أفغانستان بعد توقيع اتفاقية مع طالبان يأتي ترامب اليوم مطالبا بعجرفة يحسد عليها بالعودة لاحتلال أفغانستان من بوابة المطالبة باسترداد القاعدة الجوية!!، وقد جاءه الرد الأفغاني حاسماً برفض التنازل عن "شبر واحد من الأرض"، وهو موقف عززه الاجتماع السابع لصيغة موسكو، حيث حذّر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من أن الوجود العسكري لأطراف من خارج المنطقة "يثير الصراعات"، مؤكداً أن نشر البنية التحتية العسكرية لدول ثالثة في أفغانستان "أمر غير مقبول".
انقسام حول مطالب البيت الأمريكي:
آراء المراكز البحثية والجمهوريين والديمقراطيين:
أثارت مطالب ترامب ردود فعل متباينة في المشهد الأمريكي:
المحسوبون على الجمهوريين:
يرى محللون في معاهد مثل "معهد هيرتدج" (The Heritage Foundation) أن التخلي عن باغرام كان "كارثة استراتيجية"، ويؤيدون موقف ترامب في محاولة استعادتها كأداة ضغط استراتيجي ضد الصين وروسيا.
وهم يركزون على الخسارة الجيوسياسية المتمثلة في فقدان القدرة على مراقبة أنشطة الخصوم في عمق آسيا.
الديمقراطيون والمراكز البحثية:
يرى محللون في "مجلس العلاقات الخارجية" (Council on Foreign Relations)، كما ذكرت مصادر إعلامية أمريكية، أن تهديد ترامب باستعادة القاعدة هو "تهور مدمر" يدفع كابول إلى أحضان منافسي واشنطن.
ويؤكدون أن الحل يكمن في "الدبلوماسية الاقتصادية" ورفع القيود عن الأرصدة المجمدة (Frozen Assets) بدلاً من لغة التهديد العسكري، مشيرين إلى أن استمرار تجميد 9.5 مليار دولار من احتياطيات البنك المركزي الأفغاني هو "وصفة لكارثة إنسانية" تخدم مصالح المتطرفين.
الاجتماع السابع لصيغة موسكو؛ هل هو بدء موجة من الاعترافات الدولية بالحكومة الأفغانية ودعمها ؟:
يبدو أن اجتماع صيغة موسكو تحول إلى منصة للشرعية الإقليمية.
فبعد قرار روسيا التاريخي بالاعتراف بحكومة طالبان في يوليو 2025، أصبح الاجتماع الأخير بمنزلة تتويج لهذا الاعتراف، وهو يمثل دفعة قوية نحو دمج كابول في المنظومة الإقليمية.
هذا التحول من "العزل السياسي" إلى "الدمج الاقتصادي" يرسخ قناعة دول المنطقة بأن الاستقرار الأمني لكابول مرتبط بالتعافي الاقتصادي ودمجها في مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود.
التريليونات المدفونة:
"كنز أفغانستان من الثروات الطبيعية" كحل لأزمات العالم:
بعيداً عن ضجيج السياسة، تكمن الحقيقة الأهم: أفغانستان تقف على كنز قد يغير موازين الاقتصاد العالمي.
تشير التقديرات التي أجرتها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية والبنتاغون إلى ثروات معدنية تتراوح قيمتها بين 1 إلى 3 تريليون دولار. هذه الاحتياطيات الاستراتيجية الهائلة تتضمن:
الليثيوم (Lithium):
أطلق البنتاغون على أفغانستان لقب "السعودية الجديدة في عالم الليثيوم".
فاحتياطياتها الهائلة من هذا "النفط الأبيض" يمكن أن تلبي الطلب العالمي المتزايد على بطاريات السيارات الكهربائية والأجهزة الذكية.
النحاس (Copper):
يُعتقد أن منجم "مس عينك (Mes Aynak)" وحده يحتوي على أكثر من 11 مليون طن من النحاس.
⭕ المعادن الأرضية النادرة (Rare Earth Elements - REEs):
وهي عناصر لا غنى عنها في الصناعات الدفاعية والتكنولوجية المتقدمة.
روسيا وأفغانستان:
"عدو الأمس صديق اليوم"
تولي موسكو أهمية قصوى للاستقرار الإقليمي (Regional Stability).
اقتصادياً:
تعمل روسيا على دمج أفغانستان في الفضاء الأوراسي (Eurasian Space).
وقد أعلنت روسيا الاتحادية عن استعدادها لزيادة صادراتها من المنتجات النفطية والبلاستيكية إلى أفغانستان.
وتتم المفاوضات على استخدام العملات المحلية في المعاملات التجارية (Local Currency Trade)، مما يخدم استراتيجية البلدين في التحرر من هيمنة الدولار.
الصين وأفغانستان:
"تعاون حقيقي أم نكاية في أمريكا ؟":
تنظر الصين إلى أفغانستان من منظور جيواقتصادي (Geo-economic)، وتسعى لاستثمار التريليونات المدفونة من الثروات المعدنية.
اقتصادياً:
تعد الصين الشريك التجاري الأهم لكابول، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري حوالي مليار دولار سنوياً.
وقد وقعت شركات صينية فعلياً عقوداً رئيسية، أبرزها:عقد التنقيب عن النفط في حوض آمو داريا (Amu Darya Basin).
وتواصل الصين اهتمامها بتطوير منجم مس عينك (Mes Aynak) للنحاس، لترسيخ مبادرة الحزام والطريق (Belt and Road Initiative - BRI).
باكستان وأفغانستان:
"بين التجارة وأمن الحدود":
تعد باكستان بوابة أفغانستان تلكم الدولة الحبيسة التجارية إلى البحر.
اقتصادياً:
تهدف الدولتان إلى رفع حجم التجارة الثنائية، والتي تقدر حالياً بأكثر من 1.5 مليار دولار سنوياً.
وتركز إسلام آباد على تطوير شبكات النقل لربط ميناء جوادر (Gwadar Port) بأسواق آسيا الوسطى عبر أفغانستان، لتحويل كابول إلى "جسر اقتصادي".
إيران وأفغانستان: " بين تأمين الحدود وتفعيل ممرات الطاقة الإقليمية":
تتركز المصالح الإيرانية مع أفغانستان في تأمين الحدود (Border Security) ومكافحة تهريب المخدرات.
اقتصادياً:
تسعى إيران لتعزيز دور ميناء تشابهار (Chabahar Port) كبوابة بديلة لأفغانستان.
كما أن هناك اهتماماً بمشاريع خطوط أنابيب الغاز والطاقة لربط كابول بالمنطقة، مما يحقق الاستقرار الاقتصادي (Economic Stability).
الهند وأفغانستان:
"البحث عن موطئ قدم في ظل المصالح المتنافسة":
على الرغم من التنافس الجيوسياسي، تسعى الهند إلى عدم الانزواء خارج المعادلة.
اقتصادياً:
تركز الهند على الحفاظ على استثماراتها التنموية السابقة التي قدرت بأكثر من 3 مليار دولار، والتي تشمل بناء سد سلمى (Salma Dam)، وشق طريق زرنج-ديلارام (Zaranj-Delaram Highway).
وتواصل نيودلهي تقديم المساعدات الإنسانية لضمان بقائها لاعباً مؤثراً في محيطها الإقليمي.
دول آسيا الوسطى (Central Asian States) وأفغانستان:
يتركز التعاون مع أوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان وكازاخستان وقيرغيزستان على الأمن الحدودي و مشاريع النقل والطاقة الإقليمية.
تسعى هذه الدول للاستفادة من أفغانستان كـ ممر عبور (Transit Route) نحو موانئ جنوب آسيا.
بيلاروسيا (Belarus) وأفغانستان:
بصفتها ضيفاً وحليفاً لروسيا، تعكس مشاركة بيلاروسيا رغبتها في التنسيق الجيوسياسي الأوسع مع موسكو وبناء أسواق جديدة لمنتجاتها الصناعية.
غياب الدور العربي والتركي والإسلامي:
"تنكب اخوة الدين!":
لعل الملاحظة الأكثر إيلاماً هي غياب الدور العربي والإسلامي الفاعل عن هذه المعادلة الجيوسياسية والاقتصادية.
فبالرغم من الارتباط العقدي والإيديولوجي العميق بين أفغانستان والعالمين العربي والإسلامي، نجد تراجعاً ملحوظاً في الدعم الدبلوماسي والاقتصادي والمالي.
فلم تتلق أفغانستان مساعدات معتبرة من الدول العربية والإسلامية الغنية تتناسب مع حجم الأزمة الإنسانية.
كما أن تركيا، العضو الفاعل في الناتو والبلد المسلم المؤثر، تبدو غائبة أو مترددة في تقديم دعم قوي ومؤثر.
هذا التخلي يترك أفغانستان "لقمة سائغة" لمحيطها الذي ينظر إليها بعين المصلحة الاستراتيجية أولاً، ما يغذي الشعور بالعزلة لدى الشعب الأفغاني.
خاتمة:
إشادة بنجاحات كابول وتطلعات للمستقبل:
في ختام هذا التحليل، يجب الإشادة بالنجاحات الاقتصادية المحدودة التي حققتها الحكومة الأفغانية خلال فترة قصيرة وظروف استثنائية، وبمهنية عالية، رغم الحصار الدولي وتجميد الأرصدة.
إن استقرار قيمة العملة المحلية نسبياً، والمبادرات التجارية الإقليمية الأخيرة، تشير إلى قدرة على إدارة الأزمة.
نتمنى للشعب الأفغاني الشقيق أن يتجاوز آثار الزلزال الأخير، ونسأل الله أن يرحم شهداءهم.
ونأمل أن تستفيد كابول من اجتماع ٧ أكتوبر ٢٠٢٥ في موسكو، وتنجح في بناء مشاريع ناجحة مشتركة مع دول الجوار ودول صيغة موسكو بما يصب في تعافي الاقتصاد الأفغاني وتوفير حياة كريمة (Dignified Life) للشعب الأفغاني.
.










