محمد خميس
أكدت الدائرة القانونية في "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين"، أحد فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، أن بطء الإجراءات في المحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما في الملف الفلسطيني، أصبح يشكل عائقاً حقيقياً أمام تحقيق العدالة. يأتي ذلك في ظل استمرار جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة منذ أكثر من عامين، وفق ما جاء في تقرير قانوني مفصل صدر عن الدائرة.
بطء الإجراءات وأثره على الضحايا
وأشار التقرير إلى أن هذا التباطؤ في تحريك الملفات القضائية أسهم بشكل كبير في إطالة معاناة الضحايا الفلسطينيين، ومنح قادة الاحتلال شعوراً بالإفلات من العقاب. ورغم وجود تصريحات علنية من مسؤولين إسرائيليين تُعد اعترافاً صريحاً بنية ارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي بحق الشعب الفلسطيني، إلا أن الإجراءات القضائية لم ترتقِ بعد إلى مستوى هذه الانتهاكات.
وأكدت الدائرة القانونية أن البطء في معالجة القضايا يشكل تهديداً لاستقلال المحكمة، خصوصاً في ظل الضغوط السياسية والعقوبات التي تُمارس على القضاة من بعض الدول. وأوضح التقرير أن هذه الضغوط تمس بشكل مباشر استقلالية القضاء الدولي وتشكل انتهاكاً وفق المادة 70 من نظام روما الأساسي، ما يثير القلق بشأن قدرة المحكمة على أداء مهمتها دون تدخل خارجي.
الجرائم المستمرة والإفلات من العقاب
وأضاف التقرير أن ما يحدث في غزة والضفة الغربية من تدمير ممنهج للمنازل والمنشآت المدنية، وتهجير قسري جماعي، وتجويع وتعطيش السكان بقصد القتل، وإخفاء قسري لآلاف المدنيين، يشكل جميعه انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وجرائم حرب وإبادة جماعية. وأشار إلى أن استمرار التأخير في تحريك الملفات القضائية يتيح الفرصة لإخفاء الأدلة وتضيع حقوق الضحايا، ما يعزز من إحساسهم بعدم العدالة ويزيد من إفلات الجناة من العقاب.
وأكدت الدائرة أن العدالة البطيئة لا تنصف الضحية ولا تردع المجرم، مشيرة إلى أن التلكؤ في الإجراءات القضائية يمكن أن يعزز من ثقافة الإفلات من العقاب ويعطي الضوء الأخضر لمزيد من الجرائم في المستقبل.
الإجراءات السرية وحماية الشهود
ورغم كل هذا، أعربت الجبهة الديمقراطية عن أملها في أن يكون بطء المحكمة مرتبطاً بالإجراءات السرية التي فرضها القضاة منذ أبريل/نيسان 2025، بهدف حماية الشهود ومنع التدخلات السياسية. ودعت الدول الأطراف في نظام روما إلى حماية المحكمة من أي ضغوط خارجية، وضمان استقلالها الكامل في ملاحقة مرتكبي الجرائم الجسيمة دون تمييز أو انتقائية.
وأكدت الجبهة أن حماية المحكمة واستقلالها هو شرط أساسي لضمان تحقيق العدالة الدولية، وعدم السماح بتسييس القضايا أو التدخل السياسي فيها. وأشارت إلى أن صمت المجتمع الدولي إزاء تهديد المحكمة وتقويضها يعد مشاركة فعلية في استمرار الإفلات من العقاب، وأن تطبيق نظام روما بعدالته الكاملة سيؤدي إلى محاسبة جميع مرتكبي جرائم الحرب، بما في ذلك قادة الاحتلال وداعميهم.
الإخفاق في إصدار مذكرات توقيف
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الدولية للمحكمة الجنائية الدولية بسبب تقاعسها عن إصدار مذكرات توقيف جديدة بحق قادة الاحتلال الإسرائيلي، رغم مرور أكثر من عامين على بدء الحرب الإسرائيلية على غزة. وقد شهد هذا الفترة تدميراً واسع النطاق للبنية التحتية المدنية، ومقتل آلاف المدنيين الفلسطينيين، وتوثيق مئات الانتهاكات بالصوت والصورة والشهادات الميدانية.
ويؤكد الخبراء أن التأخير في الإجراءات القضائية لا يضر فقط بالضحايا الفلسطينيين، بل يضر أيضاً بمصداقية المحكمة الدولية، ويشكل رسالة سلبية لجميع الدول حول قدرة المحكمة على فرض القانون الدولي وتطبيق العدالة.
الدور الدولي والمجتمع المدني
كما أكدت الجبهة الديمقراطية أن هناك حاجة ملحة لتحرك المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة، والمنظمات الحقوقية الدولية، ومؤسسات المجتمع المدني، للضغط على المحكمة من أجل تسريع التحقيقات وتحريك القضايا الجنائية ضد مرتكبي الجرائم في فلسطين. وأشارت إلى أن دعم الضحايا الفلسطينيين في متابعة قضاياهم القانونية هو أمر ضروري لضمان محاسبة الجناة وعدم تكرار الجرائم في المستقبل.
استمرارية الانتهاكات وضرورة التحرك
وأبرز التقرير أن استمرار الانتهاكات اليومية ضد المدنيين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، بما فيها القصف الممنهج للمنازل، والقتل العشوائي، والاعتقالات التعسفية، يشكل تهديداً خطيراً للسلام والأمن الإقليمي والدولي. ومن هنا، فإن تحرك المحكمة الجنائية الدولية بشكل عاجل وفعال يعتبر ضرورة قانونية وأخلاقية لضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب.
وأشار التقرير إلى أن صمت المحكمة لفترات طويلة يعزز من شعور الاحتلال بالإفلات من العقاب، ويضعف من ثقة الضحايا والمجتمع الدولي في آليات العدالة الدولية. وأكد أن التحرك السريع من قبل المحكمة هو السبيل الوحيد لتأكيد سيادة القانون الدولي وحماية المدنيين الفلسطينيين من المزيد من الانتهاكات.










