محمد خميس
شارك العشرات من أهالي الكوادر الطبية المعتقلة في سجون الاحتلال الإسرائيلي، اليوم السبت، في وقفة احتجاجية حاشدة أمام مجمع ناصر الطبي جنوبي قطاع غزة، للمطالبة بالإفراج عن أبنائهم الذين مرّ على اعتقال بعضهم ما يقارب العامين، وسط ظروف قاسية وانقطاع تام للأخبار عنهم.
ورفع المشاركون لافتاتٍ وصورًا لأبنائهم من الأطباء والممرضين والمساعدين الصحيين، فيما بدت علامات الحزن والقلق واضحة على وجوه الأطفال الذين غاب آباؤهم خلف القضبان منذ بدء العدوان على غزة.
وتأتي هذه الوقفة في ظل تصاعد المطالبات الحقوقية والدولية بضرورة إطلاق سراح الطواقم الطبية الفلسطينية، التي اعتُقلت أثناء أداء واجبها الإنساني في إنقاذ الجرحى والمصابين خلال الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023.
إحصاءات صادمة: أكثر من 360 من العاملين الصحيين في الأسر
وفقًا لبيان سابق صادر عن المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، فقد اعتقلت "إسرائيل" خلال العامين الماضيين 362 من الكوادر الطبية، بينهم 88 طبيبًا و 132 ممرضًا و 72 مساعدًا طبيًا، و47 إداريًا في المؤسسات الصحية.
وأكدت وزارة الصحة الفلسطينية أن ما يتوفر من معلومات عن الأوضاع داخل السجون يشير إلى ظروف احتجاز كارثية، حيث يعاني المعتقلون من سوء المعاملة والإهمال الطبي المتعمد، إضافة إلى التعذيب الجسدي والنفسي، ما أدى إلى وفاة عدد من الأطباء وإصابة آخرين بإعاقات دائمة.
التعذيب والإعاقات داخل الزنازين
قال الدكتور محمد زقوت، مدير عام المستشفيات في غزة، إن الكوادر الطبية واجهت ظروفًا مأساوية وتعذيبًا وحشيًا في سجون الاحتلال. وأوضح أن العشرات منهم فقدوا القدرة على الحركة أو السمع أو البصر نتيجة الضرب المبرح، بينما توفي آخرون تحت التعذيب دون أن يُسمح بتسليم جثامينهم إلى عائلاتهم.
وأشار زقوت إلى أن أكثر من 130 طبيبًا وممرضًا لا يزالون رهن الاعتقال حتى اليوم، رغم اتفاقات وقف إطلاق النار، مؤكدًا أن استمرار احتجازهم يعد خرقًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تحمي العاملين في المجال الطبي أثناء النزاعات.
المطالبات الحقوقية: الإفراج عن الأطباء أولوية إنسانية
دعت وزارة الصحة الفلسطينية والمؤسسات الحقوقية المحلية والدولية إلى إدراج بند خاص ضمن اتفاقات تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار، ينص على الإفراج الفوري عن الكوادر الطبية المعتقلة.
وأكدت الوزارة أن اعتقال الأطباء والممرضين يمثل جريمة حرب متكاملة الأركان، إذ لم يشاركوا في أي نشاط عسكري، بل أدّوا واجبهم المهني والإنساني في رعاية الجرحى. وأضافت أن ما يجري هو محاولة متعمدة لتدمير النظام الصحي الفلسطيني وتجويع الشعب وإضعاف قدرته على الصمود.

انتهاكات ممنهجة بحق القطاع الصحي
منذ بدء العدوان الإسرائيلي في 7 أكتوبر 2023، استُهدفت المئات من المنشآت الصحية في غزة، وتم تدمير المستشفيات والمراكز الطبية، وقتل المئات من الأطباء والمسعفين أثناء عملهم، في ما وصفته المنظمات الدولية بأنه "أخطر اعتداء ممنهج على النظام الصحي في العصر الحديث".
وأدى القصف والحصار إلى شلّ عمل المنظومة الصحية في القطاع بشكل شبه كامل، حيث تعمل المستشفيات المتبقية في ظروف مأساوية، دون كهرباء أو أدوية أو أجهزة طبية كافية، بينما يُعتقل من تبقى من الكوادر الطبية عند محاولتهم تقديم العون للمصابين.
المجتمع الدولي أمام مسؤولياته
طالبت منظمات حقوق الإنسان، منها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، بضرورة إجراء تحقيق عاجل في ظروف اعتقال الأطباء الفلسطينيين، ووقف الانتهاكات الإسرائيلية بحق العاملين في القطاع الصحي.
كما دعت منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى إطلاق سراح جميع الكوادر الطبية فورًا، معتبرة أن احتجازهم يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الصحي في غزة، ويعرقل جهود الإغاثة والعلاج لمئات الآلاف من الجرحى والمرضى.
ورغم هذه النداءات، لا تزال "إسرائيل" ترفض السماح لأي وفود دولية بزيارة السجون أو تفقد أوضاع المعتقلين، ما يثير الشكوك حول حجم الجرائم والانتهاكات التي يتعرضون لها.
الإبادة الجماعية في غزة.. جريمة مستمرة
منذ بدء العدوان على غزة، ارتكبت قوات الاحتلال جرائم إبادة جماعية راح ضحيتها أكثر من 238 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم من الأطفال والنساء، فيما لا يزال أكثر من 11 ألف مفقود تحت الأنقاض، إضافة إلى مئات آلاف النازحين الذين يعيشون في ظروف إنسانية قاسية.
ولا تتوقف الانتهاكات عند القتل والتدمير، بل تمتد إلى الاعتقال والتعذيب والتجويع، في انتهاك صارخ لكل الأعراف الدولية وقرارات محكمة العدل الدولية التي أمرت بوقف العدوان.
في ظل هذه المأساة المتواصلة، تتعالى الأصوات مطالبة العالم بالتحرك الجاد لإنقاذ الأطباء والممرضين المعتقلين، وإطلاق سراحهم دون قيد أو شرط، وإعادة الاعتبار للعمل الإنساني والطبي الذي يُفترض أن يحظى بالحماية لا بالاستهداف.
إن صمت العالم على معاناة الكوادر الطبية الفلسطينية هو مشاركة ضمنية في الجريمة، فيما يبقى الأمل معقودًا على الضمائر الحية بأن تضع حدًا لهذه المأساة وأن تُعيد الأطباء إلى أماكنهم الطبيعية... إلى غرف العمليات لا زنازين العذاب.







