يشكّل حقّ الانتخاب أحد أبرز ركائز الأنظمة الديمقراطية، ومؤشرًا أساسيًا على مدى التزام الدول بمبدأ المشاركة السياسية والمواطنة المتساوية. إلا أنّ هذا الحق، الذي كان يفترض أن يشمل جميع العراقيين دون استثناء،
تعرّض في السنوات الأخيرة إلى تضييق واضح بعد قرار حرمان العراقيين المقيمين في الخارج من المشاركة في الانتخابات العامة، الأمر الذي أثار جدلاً واسعًا داخل الأوساط السياسية والشعبية. أسباب رسمية ومبررات مثيرة للجدل تُبرّر المفوضية العليا المستقلة للانتخابات هذا القرار بصعوبات لوجستية وإدارية تتعلّق بآلية تنظيم الاقتراع في الخارج،
بالإضافة إلى ما وصفته بمخاوف من “عمليات تزوير محتملة” في بعض المراكز الانتخابية خارج البلاد. غير أنّ مراقبين سياسيين وقانونيين يرون أنّ هذه المبررات غير كافية، معتبرين أنّ الدولة تمتلك القدرة على معالجة هذه التحديات، خصوصًا في ظل التطور التكنولوجي وتوفّر أنظمة تصويت إلكتروني آمنة تعتمدها دول عديدة. مغتربون بلا صوت يقدّر عدد العراقيين المقيمين خارج البلاد بالملايين، موزّعين على مختلف دول العالم،
كثير منهم غادر العراق لأسباب سياسية أو أمنية أو اقتصادية. هؤلاء المواطنون ظلّوا، رغم المسافات، مرتبطين بوطنهم عبر الدعم المالي والثقافي والإعلامي. لكنّ قرار حرمانهم من التصويت جعلهم يشعرون بأنهم مغتربون مرتين: الأولى جغرافيًا، والثانية سياسيًا،
بعد أن أُقصوا من المشاركة في تحديد مستقبل وطنهم الذي ما زالوا يحملون هويته وذكرياته. البعد الدستوري والحقوقي من الناحية القانونية، يؤكد خبراء الدستور أنّ هذا الإجراء يتعارض مع مبادئ الدستور العراقي الذي ينصّ على المساواة الكاملة بين المواطنين وحقّهم في المشاركة بالانتخابات العامة. ويرى المحللون أن سلب هذا الحق يشكّل سابقة خطيرة تمسّ جوهر العملية الديمقراطية، وتضع علامات استفهام حول التزام الدولة بمبادئ العدالة والتمثيل الشامل. انعكاسات وطنية واجتماعية يتجاوز هذا القرار البعد القانوني إلى أبعاده الاجتماعية والإنسانية، إذ يشعر الكثير من المغتربين بأنهم أصبحوا خارج حسابات الوطن،
رغم ما يقدّمونه من دعم اقتصادي وتحويلات مالية تسهم في استقرار السوق المحلية. ويؤكد ناشطون في الجاليات العراقية بالخارج أن إعادة حق الانتخاب لهم ليست مطلبًا سياسيًا فحسب، بل رسالة رمزية لإعادة الثقة بين المواطن والدولة. دعوات لإعادة النظر في ظل تنامي الانتقادات، يطالب عدد من الشخصيات السياسية ومنظمات المجتمع المدني الحكومة والمفوضية بإعادة النظر في القرار،
وتبني آليات تصويت حديثة تضمن النزاهة وتُعيد للمغتربين حقهم الدستوري. ويرى هؤلاء أنّ إشراك العراقيين في الخارج في الانتخابات المقبلة سيكون خطوة مهمة نحو تعزيز الوحدة الوطنية وإعادة بناء الثقة في العملية الديمقراطية. خاتمة يبقى السؤال المطروح اليوم: هل يمكن اعتبار حرمان المغتربين من الانتخاب مجرّد “إجراء تنظيمي”، أم هو مؤشر على تضييق متعمّد لمفهوم المواطنة؟ ما هو مؤكد أن الديمقراطية لا تكتمل إلا عندما تُسمع أصوات الجميع، داخل الحدود وخارجها، وأنّ الوطن الذي يُقصي أبناءه في الغربة يفقد أحد أهم مصادر قوّته واستمراره. ترجم للانجليزي








