محمد خميس
أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، اليوم الأحد، استشهاد مواطنين لبنانيين في غارتين جويتين شنهما الاحتلال الإسرائيلي على بلدتي الناقورة الحدودية جنوب البلاد، والنبي شيت في منطقة البقاع، في أحدث حلقات التصعيد المتواصل على الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب على غزة قبل أكثر من عام.
وذكرت الوزارة، في بيان مقتضب نقلته وسائل إعلام محلية، أن الغارتين استهدفتا منطقتين مدنيتين مأهولتين، ما أدى إلى سقوط شهيدين وعدد من الجرحى، فضلاً عن أضرار مادية جسيمة في المنازل والممتلكات والبنى التحتية.
الناقورة.. بلدة حدودية في مرمى النار
تشهد بلدة الناقورة الواقعة على أقصى الحدود الجنوبية للبنان، منذ أسابيع، تصعيدًا عسكريًا متزايدًا نتيجة القصف الإسرائيلي المتكرر الذي يستهدف مناطق قريبة من الخط الأزرق. وتُعد البلدة من أكثر النقاط حساسية، كونها المقر الرئيسي لقوات "اليونيفيل" الدولية، وتشكل بوابة التماس المباشر بين الجيش اللبناني والمحتل الإسرائيلي.
وبحسب مصادر أمنية لبنانية، فإن الغارة الإسرائيلية استهدفت منزلًا سكنيًا في أطراف البلدة بزعم وجود نشاط لعناصر من "حزب الله"، ما أدى إلى تدميره بالكامل وسقوط شهيد مدني كان داخله لحظة القصف، فيما أصيب آخرون بجروح متفاوتة.
وقالت المصادر إن القصف تم بواسطة طائرة حربية إسرائيلية من طراز F-16، أطلقت صاروخين موجّهين نحو الهدف، ما تسبب بانفجار ضخم سُمع في المناطق المجاورة، تلاه تحليق مكثف للطائرات المسيرة في سماء الجنوب.
النبي شيت في البقاع.. توسّع في رقعة الاستهداف
في الوقت نفسه، استهدفت غارة إسرائيلية أخرى منطقة النبي شيت في سهل البقاع، وهي بلدة بعيدة نسبياً عن خط المواجهة المباشر في الجنوب، ما يشير إلى اتساع رقعة العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل العمق اللبناني.
ووفق بيان وزارة الصحة اللبنانية، فقد أسفرت الغارة عن استشهاد مواطن وإصابة آخرين، بينما هرعت فرق الدفاع المدني والإسعاف إلى المكان لانتشال الضحايا وإخماد الحرائق التي اندلعت جراء القصف.
ويأتي هذا الهجوم بعد أيام فقط من غارة مماثلة على منطقة الهرمل شمال البقاع، وهو ما اعتبره مراقبون تصعيدًا نوعيًا من جانب الاحتلال، يهدف إلى إيصال رسالة ردع مزدوجة لحزب الله والدولة اللبنانية، مفادها أن إسرائيل قادرة على توسيع نطاق المواجهة متى شاءت.
"حزب الله" يرد.. والمخاوف تتصاعد
في المقابل، أعلن حزب الله في بيان له مساء اليوم أنه استهدف موقعًا عسكريًا إسرائيليًا مقابل بلدة رامية الجنوبية، ردًا على الغارات التي طالت المدنيين، مؤكداً أن "الرد على العدوان سيكون متناسبًا مع حجم الجريمة".
ويؤكد المراقبون أن هذه الحلقة الجديدة من التصعيد ترفع مستوى التوتر على الجبهة الشمالية لإسرائيل، وسط مخاوف جدية من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة شاملة، خصوصًا في ظل استمرار الحرب على غزة ورفض الاحتلال وقف العمليات العسكرية هناك.
وقالت مصادر أمنية لبنانية لوسائل إعلام محلية إن الجيش اللبناني و"اليونيفيل" كثفا دورياتهما في المناطق الحدودية في محاولة لاحتواء الموقف ومنع مزيد من التصعيد، فيما أعلنت قوات الطوارئ الدولية أنها "تتابع بقلق بالغ التطورات الأخيرة" وتحث الجانبين على ضبط النفس.
رسائل إسرائيلية متعددة
يرى محللون أن الغارات الإسرائيلية على البقاع والناقورة تحمل رسائل سياسية وعسكرية متداخلة، أبرزها أن الاحتلال يسعى إلى الضغط على حزب الله لوقف دعمه العسكري لغزة، وإبعاده عن معادلة الاشتباك الإقليمي.
كما تأتي هذه الضربات في إطار سياسة إسرائيلية مستمرة منذ عام 2023 تهدف إلى توسيع نطاق الردع، عبر ضرب أهداف في العمق اللبناني والسوري، بذريعة وجود “مخازن أسلحة” أو “قواعد إطلاق صواريخ”، رغم أن معظم الضحايا في هذه الهجمات مدنيون أبرياء.
ويرى آخرون أن حكومة الاحتلال برئاسة بنيامين نتنياهو تسعى من خلال هذا التصعيد إلى صرف الأنظار عن إخفاقاتها في غزة، وإعادة خلط الأوراق داخليًا وخارجيًا، من خلال إثارة مواجهة جديدة في الشمال تتيح لها حشد الدعم الداخلي واستجداء المساندة الغربية.
الوضع الإنساني يتدهور جنوب لبنان
تسببت الغارات الإسرائيلية المتكررة منذ بداية العام في نزوح مئات العائلات من القرى الحدودية الجنوبية نحو مناطق أكثر أمانًا، فيما أُغلقت عشرات المدارس والمرافق العامة بسبب الخطر المستمر.
وتقول وزارة الصحة اللبنانية إن المستشفيات الميدانية في الجنوب باتت تعمل فوق طاقتها، محذّرة من نقص في الأدوية والمستلزمات الطبية بسبب انقطاع الطرق وتزايد الإصابات.
وفي السياق، أكد وزير الصحة اللبناني في تصريحات صحفية أن “الوضع الإنساني في الجنوب يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، والاعتداءات الإسرائيلية لم تعد تستهدف مواقع عسكرية فقط، بل تطول المدنيين والبنية التحتية الحيوية”.









