محمد خميس
في تصعيدٍ جديد للتوتر القائم على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، استهدفت طائرة مسيّرة تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي محيط بلدة بوداي في منطقة البقاع شرقي لبنان، في غارةٍ وُصفت بأنها امتدادٌ للهجمات المتكرّرة التي ينفّذها الاحتلال منذ أشهر، في إطار ما يعتبره "ردودًا استباقية" على نشاطات يزعم أنها تابعة لحزب الله.
ووفقًا لمصادر أمنية لبنانية، فقد سُمعت انفجارات عنيفة في المنطقة عقب استهداف الطائرة المسيّرة موقعًا يُعتقد أنه يستخدم لتخزين أو نقل معداتٍ مرتبطة بفصائل لبنانية، دون أن تردّ معلومات مؤكدة عن وقوع إصابات بشرية حتى الآن. وتسببت الغارة في اندلاع حرائق محدودة وأضرارٍ مادية في محيط البلدة، ما أثار حالة من القلق بين السكان المحليين.
غارات متكرّرة وتوسيع لنطاق الاستهداف
تأتي هذه الضربة بعد سلسلة من الهجمات المماثلة التي نفّذها الاحتلال خلال الأسابيع الأخيرة، امتدت من الجنوب اللبناني حتى مناطق في البقاع، في ما يبدو أنه توسّع تدريجي لنطاق العمليات الجوية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.
ويرى مراقبون أن استهداف بوداي يحمل دلالة جغرافية وأمنية خاصة، إذ تقع البلدة على بعد عشرات الكيلومترات من الحدود مع فلسطين المحتلة، وهو ما يشير إلى نقلة نوعية في عمق الأهداف التي يختارها الجيش الإسرائيلي.
وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد المواجهات الميدانية على الجبهة الجنوبية للبنان، حيث تتبادل قوات حزب الله والجيش الإسرائيلي القصف شبه اليومي منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، ما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا وخطورة.
تغيير في قواعد الاشتباك؟
بحسب محللين عسكريين، فإن تكثيف استخدام الطائرات المسيّرة في العمق اللبناني يُعدّ مؤشرًا على محاولة إسرائيل اختبار قواعد الاشتباك الجديدة، بعد أن ظلت العمليات الجوية تقتصر سابقًا على المناطق الحدودية.
ويقول الخبير العسكري اللبناني العميد المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي إن استهداف بوداي “يمثل تحولًا تكتيكيًا في العمليات الإسرائيلية، إذ لم يعد الاحتلال يكتفي بالردّ على مصادر النيران، بل انتقل إلى تنفيذ ضربات وقائية داخل مناطق بعيدة عن خطوط التماس”.
ويضيف شحيتلي أن إسرائيل تحاول من خلال هذه الضربات “إرسال رسالة مزدوجة إلى حزب الله وإيران على السواء، مفادها أن يدها الطولى قادرة على الوصول إلى أي نقطة داخل لبنان، في إطار استراتيجية الردع المتدرّج”.
البيئة اللبنانية.. بين التوتر والمخاوف الشعبية
أثارت الغارة على بوداي موجة قلق بين الأهالي الذين يعيشون في حالة توتر دائم منذ تصاعد وتيرة الطائرات المسيّرة الإسرائيلية في الأجواء اللبنانية. وقال سكان محليون إن الطائرة كانت تحلّق على ارتفاع منخفض قبل تنفيذ الضربة، وإن أصوات الانفجارات كانت “تشبه زلزالًا صغيرًا”.
ويخشى كثيرون من أن يتحوّل البقاع الشرقي إلى ساحة مواجهة مفتوحة، خصوصًا أن المنطقة تضم طرقًا استراتيجية تربط بين الداخل اللبناني والحدود السورية، وهو ما يمنحها أهمية عسكرية خاصة في حسابات كلٍّ من حزب الله والاحتلال الإسرائيلي.
ردود سياسية وتحذيرات من التصعيد
سياسيًا، أدانت السلطات اللبنانية الغارة واعتبرتها “انتهاكًا صارخًا لسيادة لبنان ولقرار مجلس الأمن 1701”، مؤكدة أن هذه الاعتداءات “لن تمرّ دون ردّ دبلوماسي”.
من جانبه، أصدر الجيش اللبناني بيانًا قال فيه إنّه يتابع تفاصيل الغارة بالتنسيق مع قوات اليونيفيل العاملة في الجنوب، مشيرًا إلى أنّ هذا التصعيد “يشكل خطرًا مباشرًا على الاستقرار في المنطقة”.
كما حذّر حزب الله في تصريحات سابقة من أن أي توغّل إسرائيلي في العمق اللبناني “لن يمر دون ردٍّ مناسب”، في حين لم يصدر عنه حتى الآن تعليق رسمي بشأن استهداف بوداي.
رسائل بالنار وحرب ظلّ مستمرة
يرى مراقبون أن هذا الاستهداف يأتي في سياق ما بات يُعرف بـ"حرب الظل" بين إسرائيل ومحور المقاومة، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت معادلات الردع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وتعتقد مراكز أبحاث غربية أن إسرائيل باتت تعتمد بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة في عملياتها الاستخباراتية والهجومية ضد أهداف في لبنان وسوريا، نظرًا لقدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة بأقل مخاطرة بشرية ممكنة.
لكن في المقابل، يحذر محللون من أن الاستمرار في هذه الاستراتيجية قد يؤدي إلى انفجار واسع، خصوصًا في ظل انخراط حزب الله في دعم غزة واستعداده لرفع سقف الرد العسكري في حال استمرت الاعتداءات الإسرائيلية.
لبنان على حافة تصعيد مفتوح
تؤكد الغارة الإسرائيلية الجديدة على بوداي أن التصعيد الجوي بات يتجاوز الردود المحدودة إلى عملياتٍ ذات طابع استراتيجي، تُستخدم فيها المسيّرات كأداة ضغط ورسالة سياسية في آن واحد.
ومع استمرار حالة الغموض حول نية تل أبيب توسيع نطاق عملياتها، يبقى لبنان — من الجنوب إلى البقاع — على فوهة بركانٍ قابلٍ للاشتعال في أي لحظة، وسط تداخل المعارك الإقليمية واتساع رقعة المواجهة بين إسرائيل ومحور المقاومة.








