محمد خميس
وجّه العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، اليوم الأحد، رسائل متعددة للداخل والخارج خلال خطاب العرش الذي ألقاه في افتتاح أعمال الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة العشرين، في مشهدٍ حمل دلالات سياسية ووطنية واضحة، توازن بين التحديات الداخلية والإقليمية التي تحيط بالمملكة.
الملك، الذي ألقى خطابه أمام أعضاء مجلسي النواب والأعيان، شدد على أن خدمة الوطن كانت وستبقى التزاماً مقدساً، مؤكداً أن "الأردن وُلد في قلب الأزمات، لكنه ظلّ ثابتاً وصامداً بفضل وعي شعبه ووحدته".
وقال في نبرة تعبّر عن قربه من المواطنين: "يتساءل بعضكم كيف يشعر الملك؟ أيقلق الملك؟ نعم، يقلق الملك، لكن لا يخاف إلا الله، ولا يهاب شيئاً، وفي ظهره أردني."
كلمات حملت بعداً إنسانياً وسياسياً في آنٍ واحد، عبّرت عن الثقة بالشعب الأردني وقدرته على حماية استقرار بلاده وسط إقليمٍ مشتعل.
درع الحسين ورمز الاستقرار
وفي مقطعٍ لافتٍ من الخطاب، قال الملك عبدالله الثاني:"مهما تعاظمت الأحداث واشتدت، أقولها قولا واحدا: هنا، رجال مصنع الحسين، درعاً مهيباً. فهذه الأرض المباركة ولادة الأحرار، والشباب الأردني، وأولهم الحسين، ابني وابنكم، جند لهذا الوطن."
بهذه العبارة، ربط العاهل الأردني بين رمزية ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني وبين جيل الشباب الأردني، في رسالة تُكرّس فكرة استمرارية القيادة وثبات المؤسسة الملكية.
ويرى محللون سياسيون أن هذا الخطاب "يعيد التأكيد على وحدة القيادة والشعب"، ويعكس رسالة استقرار سياسي داخلي موجهة إلى الخارج، خاصة في ظل ما تمرّ به المنطقة من اضطرابات اقتصادية وأمنية.
الإصلاح الاقتصادي والحوكمة
وفي محورٍ آخر من خطابه، تطرّق الملك عبدالله الثاني إلى ملف الإصلاح الاقتصادي، مؤكداً أن الأردن قطع شوطاً مهماً في مسار التحديث الشامل، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الطريق ما زال طويلاً ويحتاج إلى "عمل منقطع النظير".
وقال:"علينا الاستمرار في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، لتحقيق النمو وإقامة المشاريع الكبرى وجذب الاستثمارات، وتوفير فرص العمل، ورفع مستوى المعيشة للمواطنين."
ويُعد هذا التأكيد استمراراً لنهج الملك في ربط الإصلاح السياسي بالتمكين الاقتصادي، مع إشارة واضحة إلى أن مستقبل الاستقرار في الأردن مرتبط بالتنمية والعدالة الاجتماعية.
ويرى خبراء أن التركيز على ملف الاقتصاد في الخطاب الملكي يأتي في وقتٍ تواجه فيه المملكة ضغوطاً مالية متزايدة وتحديات ناجمة عن تداعيات الأزمات الإقليمية وغلاء الأسعار العالمي.
الموقف من غزة: دعم ثابت لا يتبدل
وفي القسم الإقليمي من الخطاب، خصّ العاهل الأردني قطاع غزة بكلمات مؤثرة، واصفاً ما يجري هناك بأنه "كارثة إنسانية غير مسبوقة"، قائلاً:"سنبقى إلى جانبكم بكل إمكانياتنا، وقفة الأخ مع أخيه، وسنستمر بإرسال المساعدات الإغاثية وتقديم الخدمات الطبية الميدانية."
ويأتي هذا الموقف تأكيداً على ثبات السياسة الأردنية تجاه القضية الفلسطينية، إذ لم يتوقف الأردن منذ اندلاع الحرب على غزة عن تسيير قوافل الإغاثة وإرسال المستشفيات الميدانية إلى القطاع.
وبذلك، وجّه الملك رسالة مزدوجة: إنسانية للعالم الخارجي تدعو لوقف معاناة الفلسطينيين، وسياسية للداخل الأردني تؤكد على التزام المملكة التاريخي بالقضية الفلسطينية.
الضفة الغربية والقدس: خطوط حمراء
وتحدث الملك عبدالله الثاني بوضوح عن الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في الضفة الغربية، قائلاً:"لن نقبل باستمرار الانتهاكات في الضفة الغربية، فموقف الأردنيين راسخ لا يلين."
كما جدّد تأكيده على الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، معتبراً أن حماية المدينة المقدسة مسؤولية تاريخية ودينية ووطنية للأردن.
وقال مراقبون إن هذا التأكيد يأتي في وقتٍ تتصاعد فيه التوترات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما يجعل من الوصاية الهاشمية محوراً محورياً في الدبلوماسية الأردنية، خاصة في المحافل الدولية والعربية.
رسائل الداخل والخارج
يحمل خطاب العرش لهذا العام رسائل متشابكة، أبرزها:لداخلياً: طمأنة الأردنيين بأن الدولة ثابتة، والإصلاح الاقتصادي مستمر، والشباب في صميم المستقبل الوطني.
خارجياً: تأكيد على أن الأردن سيبقى صوتاً عربياً عاقلاً ومدافعاً عن فلسطين والقدس، وشريكاً إقليمياً أساسياً في الاستقرار.
ويرى المحلل السياسي الأردني د. عمر الرواشدة أن خطاب العرش “جاء متوازناً بين تطمين الداخل وإرسال إشارات للخارج بأن الأردن لا يتراجع عن ثوابته”، مشيراً إلى أن “الملك أراد من خلال عباراته العاطفية أن يعيد الثقة بالروح الوطنية في وقتٍ حساس”.
مراسم بروتوكولية عريقة
وكان العاهل الأردني قد وصل إلى مقر مجلس الأمة برفقة ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، حيث أطلقت المدفعية إحدى وعشرين طلقة تحية للملك، فيما عزفت موسيقات القوات المسلحة السلام الملكي، قبل أن يستعرض حرس الشرف الذي اصطف لتحيته.









