20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

هل يمهّد الإجلاء الطبي من غزة لعهد إنساني جديد أم أنه استثناء مؤقت في ظل الحرب المستمرة؟

بقلم: أخبار ومتابعات
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٥
6 دقائق قراءة
43 مشاهدة
هل يمهّد الإجلاء الطبي من غزة لعهد إنساني جديد أم أنه استثناء مؤقت في ظل الحرب المستمرة؟

محمد خميس

في مشهد إنساني نادر وسط الركام والدخان، غادر 213 مريضًا فلسطينيًا مع مرافقيهم، الأحد، قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم جنوب شرق القطاع، لتلقي العلاج في الخارج، في خطوة إنسانية جاءت بعد أشهر من الحصار والدمار الذي خلّفته الحرب الإسرائيلية على القطاع منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

تُعدّ هذه الدفعة من المرضى من بين الحالات الحرجة التي تتطلب علاجًا عاجلًا خارج القطاع، بعد أن انهار النظام الصحي في غزة بفعل العدوان الإسرائيلي المستمر، واستهداف المستشفيات والمراكز الطبية، ونقص الوقود والأدوية والمستلزمات الجراحية.

الهلال الأحمر الفلسطيني يقود عملية الإجلاء بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية

أشرفت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية (WHO) على تنفيذ عملية الإجلاء الطبي، حيث تولّت فرق الإسعاف والطواقم الطبية تجهيز المرضى ومرافقتهم حتى مغادرتهم القطاع، لضمان استقرار حالاتهم الصحية خلال الرحلة.

وقال مصدر في الهلال الأحمر إن العملية تمت وفق تنسيق دقيق استمر لساعات طويلة، مشيرًا إلى أن المرضى نُقلوا لتلقي العلاج في الأردن وعدد من الدول الأوروبية التي أعلنت استعدادها لاستقبال المصابين من غزة.

وأكد المصدر أن من بين المرضى حالات مصابة بالحروق البالغة، والأمراض المزمنة، والإصابات الناتجة عن القصف الإسرائيلي، إضافة إلى أطفال يعانون من أمراض خطيرة لا تتوفر إمكانيات علاجها داخل القطاع المحاصر.

وأشار إلى أن فرق الهلال الأحمر قدّمت الرعاية الطبية والدعم النفسي للمرضى قبل مغادرتهم، كما رافقتهم سيارات الإسعاف حتى النقاط الحدودية لتأمين رحلتهم بأمان.

مشهد إنساني وسط الكارثة

في الوقت الذي مثّلت فيه عملية الإجلاء بارقة أمل محدودة للمرضى وعائلاتهم، إلا أنها في المقابل تكشف حجم الكارثة الصحية والإنسانية في غزة. فبحسب تقديرات وزارة الصحة في القطاع، تجاوز عدد الجرحى منذ بدء العدوان أكثر من 190 ألف جريح، فيما يعاني عشرات الآلاف من إعاقات دائمة، وسط توقف نحو 80% من المستشفيات عن العمل.

الطبيب محمود السراج، أحد أعضاء الطاقم الميداني للهلال الأحمر، قال في حديثه إن "ما يجري ليس مجرد أزمة طبية، بل انهيار شامل للمنظومة الصحية بفعل القصف المستمر"، مشيرًا إلى أن المستشفيات العاملة تعمل بأقل من 20% من طاقتها، في ظل نقص الوقود وانقطاع الكهرباء.

وأوضح السراج أن عملية الإجلاء تمثل "خطوة إنسانية مطلوبة، لكنها غير كافية أمام حجم المأساة"، لافتًا إلى أن آلاف المرضى ينتظرون فرصتهم في الخروج لتلقي العلاج، بينما تفرض إسرائيل قيودًا مشددة على حركة المرضى والمسعفين وتمنع إدخال المعدات الطبية الحيوية.

إبادة شاملة وتجاهل للأوامر الدولية

منذ السابع من أكتوبر 2023، تشهد غزة واحدة من أبشع الحروب في التاريخ الحديث، إذ ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي –بدعم أميركي وأوروبي– إبادة جماعية ممنهجة طالت المدنيين والبنية التحتية والمؤسسات الإنسانية.

وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، خلّف العدوان أكثر من 238 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم من النساء والأطفال، فيما لا يزال نحو 11 ألف شخص مفقود تحت الأنقاض.

كما أدى القصف المتواصل والحصار إلى نزوح مئات آلاف المدنيين إلى مناطق غير مؤهلة للعيش، وسط مجاعة حقيقية تفتك بالسكان، حيث حذرت منظمات أممية من أن "المجاعة تتسع يومًا بعد يوم في شمال ووسط القطاع".

وذكرت تقارير حقوقية أن إسرائيل تجاهلت بشكل صارخ أوامر محكمة العدل الدولية التي طالبتها بوقف عمليات الإبادة وفتح ممرات إنسانية، فيما تواصل فرض قيود على دخول المساعدات الطبية والغذائية، ما جعل القطاع "منطقة منكوبة بالكامل".

الأردن ودول أوروبية تستقبل الجرحى

من جهتها، أكدت منظمة الصحة العالمية أن الدول المشاركة في العملية –وفي مقدمتها الأردن وألمانيا وإيطاليا– وفّرت مستشفيات ومراكز طبية متخصصة لاستقبال الحالات الطارئة من غزة.

وأوضح المتحدث باسم المنظمة أن "العملية جزء من جهد دولي لتخفيف الكارثة الصحية في القطاع، لكنها لا تمثل سوى نقطة في بحر من المعاناة"، مشيرًا إلى أن آلاف المرضى ما زالوا بحاجة إلى إجلاء عاجل.

بدورها، أعلنت وزارة الخارجية الأردنية أن استقبال المرضى "واجب إنساني وأخلاقي"، مؤكدة استمرار التعاون مع منظمة الصحة العالمية والهلال الأحمر لنقل المزيد من الحالات الحرجة خلال الأسابيع المقبلة.

معبر كرم أبو سالم.. شريان ضيق وسط الحصار

يُعد معبر كرم أبو سالم المنفذ الوحيد المتاح حاليًا لحركة الإمدادات والإخلاء الطبي من جنوب قطاع غزة، بعد أن أغلقت إسرائيل معظم المعابر، بما في ذلك معبر رفح الحدودي الذي كان يُستخدم سابقًا لإجلاء الجرحى إلى مصر.

ويصف مسؤولون في القطاع المعبر بأنه "شريان ضيق للحياة"، نظرًا للقيود الإسرائيلية المشددة وإجراءات التفتيش الطويلة التي تؤخر وصول المساعدات ونقل المصابين.

ورغم إعلان إسرائيل السماح بمرور بعض الحالات الإنسانية، إلا أن الواقع يشير إلى انتقائية صارمة في منح التصاريح، ما يترك آلاف الجرحى والمرضى في مواجهة الموت البطيء داخل غزة.

إجلاء محدود لا يغيّر الواقع

يرى مراقبون أن عملية الإجلاء الأخيرة، رغم أهميتها الإنسانية، لن تغيّر من الواقع المأساوي في غزة، طالما استمر العدوان الإسرائيلي ومنع المساعدات.

الكاتب والمحلل السياسي عدنان صافي اعتبر أن "هذه العمليات أشبه بإبر مسكنة في جسد يحتضر"، مضيفًا أن "المطلوب ليس إخراج المرضى للعلاج فقط، بل إنهاء الحصار ووقف الحرب لوقف تدفق الضحايا الجدد".

وأشار إلى أن استمرار إسرائيل في تدمير البنية التحتية وفرض الحصار سيقود إلى "كارثة طويلة الأمد يصعب معالجتها حتى لو توقفت الحرب اليوم".

بصيص أمل في عتمة الإبادة

بين الدمار والموت والجوع، تمثل عملية إجلاء 213 مريضًا من غزة بارقة أمل صغيرة في مشهد يغلب عليه اليأس. لكنها في الوقت ذاته تذكير صارخ بأن القطاع بحاجة إلى حل جذري، لا مجرد حلول مؤقتة.

ففي ظل استمرار الحرب وتجاهل إسرائيل لكل النداءات الدولية، يبقى الطريق إلى العلاج مفتوحًا لعدد محدود، بينما يبقى الحق في الحياة والعلاج مغلقًا أمام مئات الآلاف من الجرحى والمرضى في غزة.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

هل يمهّد الإجلاء الطبي من غزة لعهد إنساني جديد أم أنه استثناء مؤقت في ظل الحرب المستمرة؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°