يعيش العراق في كل دورة انتخابية على وقع توترات وصراعات داخلية متجددة، تتشابك فيها المصالح السياسية والطائفية والعشائرية مع الحسابات الإقليمية والدولية، هذه الصراعات، التي تتصاعد كلما اقتربت صناديق الاقتراع، لا تُعد مجرد خلافات سياسية عابرة، بل هي انعكاس عميق لبنية النظام السياسي ما بعد عام 2003، الذي ما زال يعاني من ضعف المؤسسات وغياب الثقة بين مكونات المجتمع.
أولاً: جذور الصراعات الداخلية
تعود جذور الانقسامات العراقية إلى عوامل تاريخية وسياسية معقدة، أبرزها:
الطائفية السياسية: التي تحولت إلى أداة انتخابية بيد القوى المتنفذة، فبدلاً من أن تكون الانتخابات وسيلة لتجديد النخبة السياسية، أصبحت مسرحًا لإعادة إنتاج الانقسام المذهبي والعرقي.
المحاصصة الحزبية: حيث تُوزَّع المناصب والوزارات وفق الولاءات الحزبية والطائفية لا على أساس الكفاءة، مما خلق نظامًا هشًّا قائمًا على الترضيات لا على المؤسسات.
التدخلات الخارجية: إذ تسعى دول عديدة إلى التأثير في مسار العملية السياسية العراقية لضمان مصالحها، مما يؤدي إلى زيادة الاستقطاب الداخلي وإضعاف القرار الوطني المستقل.
ثانياً: مظاهر الصراع قبيل الانتخابات
مع اقتراب موعد الانتخابات، تتجلى هذه الصراعات في صور متعددة:
حملات إعلامية متبادلة بين الكتل السياسية، تتضمن اتهامات بالفساد أو التبعية أو الفشل في إدارة الدولة.
استعراضات عسكرية للفصائل المسلحة المقرّبة من بعض الأحزاب، في رسالة ضغط موجهة إلى خصومها وإلى المفوضية العليا للانتخابات.
انقسامات داخل التحالفات نفسها، إذ تشهد الكتل تفككًا وتبادل اتهامات بالخيانة أو السعي وراء مكاسب شخصية.
توظيف الشارع والاحتجاجات، حيث تحاول بعض الأطراف ركوب موجة الغضب الشعبي لتقوية موقفها الانتخابي أو إضعاف خصومها.
ثالثاً: التأثيرات المباشرة على الشعب
الشعب العراقي هو الخاسر الأكبر من هذه الصراعات المستمرة، وتتجلى آثارها في عدة مستويات:
اقتصاديًا: تأخر الموازنات العامة وتوقف المشاريع الخدمية بسبب الشلل السياسي، ما يؤدي إلى تفاقم البطالة وارتفاع نسب الفقر.
اجتماعيًا: انتشار ثقافة الكراهية والانقسام داخل المجتمع، وتراجع الثقة بالمؤسسات والعملية الديمقراطية برمتها.
أمنيًا: تصاعد التوترات الميدانية وعودة بعض المظاهر المسلحة، مما يثير الخوف في الشارع ويقوّض الاستقرار.
نفسيًا: تفشي الإحباط واليأس بين فئات الشباب، الذين يرون في الانتخابات تكرارًا لدورة فشل سابقة دون تغيير حقيقي.
رابعاً: انعكاسات الصراع على العملية الانتخابية
تؤدي هذه الأجواء المتوترة إلى ضعف المشاركة الشعبية في الانتخابات، حيث يشعر المواطن بأن صوته لن يغير شيئًا في ظل احتكار السلطة من قبل نفس الوجوه. كما تُضعف هذه الصراعات ثقة المجتمع بالمفوضية المستقلة، وتفتح الباب أمام التشكيك بنتائج الانتخابات، ما يهدد شرعية النظام الديمقراطي نفسه.
خامساً: نحو تجاوز الانقسام
رغم قتامة المشهد، فإن العراق يمتلك فرصة حقيقية للخروج من دائرة الصراعات إذا ما تم:
إصلاح النظام الانتخابي ليعزز المشاركة الشعبية ويحد من سطوة المال السياسي والسلاح.
تبني مشروع وطني جامع يتجاوز الانتماءات الضيقة ويضع مصلحة المواطن فوق المصالح الحزبية.
دعم القضاء المستقل والإعلام الحر، كركيزتين أساسيتين لضمان نزاهة الانتخابات ومحاسبة الفاسدين.
إشراك الشباب والنخب المستقلة، الذين يمثلون أمل التغيير الحقيقي في مستقبل البلاد.
الصراعات الداخلية في العراق قبيل الانتخابات ليست مجرد مظاهر تنافس سياسي، بل هي نتيجة تراكمات نظام يعاني من ضعف الثقة والانقسام والفساد. غير أن الحل يكمن بيد الشعب العراقي نفسه، إذا ما قرر أن يصوّت لصالح التغيير الحقيقي لا لصالح الولاءات القديمة. فاستقرار العراق ومستقبله الديمقراطي مرهون بقدرته على تجاوز هذه الانقسامات، وبإرادة مواطنيه في بناء دولة عادلة تضع الإنسان أولاً.









