تشهد الساحة اللبنانية مجددًا تصاعدًا خطيرًا في وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية، ما يعيد إلى الواجهة التساؤلات حول مستقبل الهدنة الموقعة بين "حزب الله" وكيان الاحتلال في نوفمبر 2024، ومدى قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على احتواء الموقف قبل الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.
تصعيد متدرج ورسائل نارية
القصف الإسرائيلي الذي طال، الخميس، بلدات الجنوب اللبناني مثل "طورا"، و"طيردبا"، و"الطيبة"، و"زوطر الشرقية"، و"عيتا الجبل"، يعكس بوضوح توجّه الاحتلال نحو سياسة تصعيد متدرج تقوم على توجيه إنذارات مسبقة قبل القصف، بزعم استهداف "بنى تحتية عسكرية" تابعة لـ"حزب الله".
لكن الواقع الميداني، بحسب شهود ومصادر طبية لبنانية، يؤكد أن معظم الضربات أصابت منازل مدنيين ومبانٍ سكنية، ما أدى إلى استشهاد مواطن وإصابة ثمانية آخرين، فضلًا عن تدمير واسع في الممتلكات والبنى التحتية.
هذا النمط من التصعيد يذكّر بسياسات إسرائيل السابقة في غزة ولبنان، التي تعتمد على تبرير العدوان بمسوغات أمنية، في حين يستهدف القصف عمليًا خلق بيئة ضغط شعبي على المقاومة اللبنانية من خلال استنزاف المجتمعات الحدودية.
مواقف الفصائل الفلسطينية: دعم وتضامن وتحذير
ردود الفعل الفلسطينية جاءت منسجمة مع خط المقاومة في المنطقة، إذ أدانت حركة "الجهاد الإسلامي" العدوان الإسرائيلي ووصفته بأنه "انتهاك صارخ لسيادة لبنان وعدوان صريح على شعبه"، مؤكدة حق اللبنانيين في "الدفاع المشروع عن أرضهم وسيادتهم بكل الوسائل المتاحة".
أما "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" فقد رأت أن التصعيد الإسرائيلي ليس حادثًا عرضيًا، بل يأتي ضمن "سلسلة عدوانية ممنهجة بدعم مباشر من الولايات المتحدة"، معتبرة أن تل أبيب تحاول فرض واقع جديد في الجنوب اللبناني تحت ذريعة "منع إعادة بناء القدرات العسكرية".
هذه المواقف تعكس تنامي القناعة داخل محور المقاومة بأن العدوان الحالي يهدف لإعادة رسم قواعد الاشتباك، لا مجرد الرد على تهديدات محددة.
رسائل حزب الله: الدفاع خيار لا رجعة فيه
في المقابل، جاء رد "حزب الله" اللبناني حاسمًا، إذ أكد في بيانه أن "إسرائيل تريد إخضاع لبنان لكنها ستفشل"، مشددًا على أن "خيار الدفاع والمقاومة هو الثابت".
كما وجّه الحزب انتقادًا مباشرًا لقرار الحكومة اللبنانية بشأن "حصر السلاح"، واعتبره "متسرعًا واستجابة لضغوط أجنبية"، محذرًا من أن تقديم مثل هذه القرارات "عربون حسن نية" للعدو لن يؤدي إلا إلى مزيد من الابتزاز الإسرائيلي.
تصريحات الحزب تشير بوضوح إلى أنه يرى في التصعيد الإسرائيلي محاولة سياسية وعسكرية لانتزاع تنازلات داخلية لبنانية، سواء عبر تقييد نشاط المقاومة أو الضغط على الدولة اللبنانية لتقليص نفوذها في الجنوب.
البعد الإقليمي والدولي: واشنطن شريك صامت
الموقف الأمريكي في هذا التصعيد يوصف بـ"الصمت المريب"، حيث تتحدث مصادر إسرائيلية عن "تفهم أمريكي" لضربات محدودة ضد أهداف في لبنان، بذريعة "منع حزب الله من التمركز مجددًا".
ويرى محللون أن هذا الموقف يعكس استراتيجية أمريكية مزدوجة، تقوم على دعم إسرائيل أمنيًا مع تفادي الانجرار إلى حرب شاملة قد تخلط الأوراق في الشرق الأوسط، خاصة في ظل التوترات المستمرة في البحر الأحمر والعراق وسوريا.
في المقابل، تحاول فرنسا عبر اتصالات دبلوماسية متكررة منع انهيار وقف إطلاق النار، إلا أن محدودية نفوذها على الأرض تجعل من جهودها رمزية أكثر من كونها مؤثرة.
هل ينهار اتفاق وقف النار؟
رغم أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته واشنطن وباريس في نوفمبر 2024 لا يزال رسميًا قائمًا، إلا أن كثافة الغارات الإسرائيلية وتزايد الخروقات تجعل الحديث عن "هدنة فعلية" أمرًا نظريًا فقط.
مصادر سياسية في بيروت تشير إلى أن تل أبيب تحاول من خلال هذا التصعيد اختبار صبر "حزب الله" وقياس رد فعله قبل اتخاذ قرار بشأن عملية أوسع.
لكن في المقابل، يدرك الجانب الإسرائيلي أن أي توسع ميداني سيقابل برد مكلف، خصوصًا بعد تحذيرات المقاومة بأن "أي عدوان واسع سيُفتح على أكثر من جبهة".










