كشفت وثائق رسمية حديثة عن أن الحكومة الإسرائيلية أبرمت خلال الأشهر الأخيرة سلسلة من العقود الضخمة مع شركات دعاية وتسويق سياسية أمريكية، في محاولة يائسة لاستعادة مكانتها داخل الرأي العام الأمريكي الذي بدأ يفقد تعاطفه معها، حتى بين أوساط اليمين المحافظ.
وبحسب صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، فإن وزارتي الخارجية والسياحة في إسرائيل، عبر مكتب الدعاية الحكومية، وقعتا عقودًا مع شركات أمريكية كبرى تحت عنوان معلن هو "تعزيز صورة إسرائيل ومكافحة معاداة السامية". غير أن الوثائق تُظهر أن الهدف الحقيقي هو إعادة هندسة الخطاب الإعلامي الأمريكي بما يخدم رواية الاحتلال بعد المجازر المستمرة في غزة منذ أكتوبر 2023.
وتشير الوثائق إلى أن إسرائيل تموّل هذه المشاريع عبر شركة Havas Media الألمانية التابعة لمجموعة الإعلانات الدولية Havas، والتي تلعب دور الوسيط التنفيذي، وقد دفعت عبرها أكثر من 100 مليون دولار منذ عام 2018 لتغذية الحملات الإعلامية داخل الولايات المتحدة.
عقد مع مدير حملة ترامب السابق
من بين أبرز هذه الصفقات عقد كبير وُقّع في أغسطس الماضي مع شركة Clock Tower X التي يمتلكها براد بارسكيل، مدير الحملة الرقمية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في انتخابات 2016 و2020. وتبلغ قيمة العقد ستة ملايين دولار لمدة أربعة أشهر لتقديم "استشارات إستراتيجية وتخطيطية وتنفيذ حملة شاملة في الولايات المتحدة لمكافحة معاداة السامية".
ووفقًا لوثائق وزارة العدل الأمريكية، تُنتج الشركة ما لا يقل عن مئة مادة أساسية شهريًا تشمل فيديوهات وتصاميم ونصوصًا وصوتيات، إضافة إلى خمسة آلاف نسخة مشتقة، بهدف الوصول إلى خمسين مليون مشاهدة شهريًا.
ويركز 80% من هذا المحتوى على الشباب الأمريكيين عبر منصات مثل "تيك توك" و"إنستغرام" و"يوتيوب"، في محاولة واضحة لتطويع الوعي العام الأمريكي منذ سن مبكرة.
دعاية موجهة إلى الكنائس المحافظة
تكشف الوثائق أيضًا أن الحملة الإعلامية الجديدة تبث عبر شبكة Salem Media Network، وهي شبكة إعلامية مسيحية – محافظة تمتلك أكثر من 200 محطة إذاعية ومواقع إلكترونية في أمريكا. وقد تولّى بارسكيل هذا العام منصب رئيس الإستراتيجية في الشبكة، ما يمنح المشروع الإسرائيلي امتدادًا عميقًا داخل البنية الدينية الأمريكية المحافظة.
ويبدو هذا التوجه غير معتاد بالنسبة لإسرائيل، لكنه يعكس التحوّل في مواقف القاعدة الإنجيلية التي كانت تُعدّ تاريخيًا الحليف الأشد ولاءً لتل أبيب. فبحسب استطلاعات مركز "بيو" للأبحاث بين 2022 و2025، شهدت إسرائيل تراجعًا غير مسبوق في شعبيتها داخل أوساط المحافظين؛ إذ ارتفعت نسبة الآراء السلبية تجاهها من 42% عام 2022 إلى 53% عام 2025.
حتى الجمهوريون الشباب دون سن الخمسين بات نصفهم تقريبًا ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية، فيما أظهر الاستطلاع أن 71% من الديمقراطيين الشباب يعارضون سياسات الاحتلال بشدة.
اصطياد المصلين داخل الكنائس
وفي حملة أخرى تموّلها وزارة الخارجية الإسرائيلية، لجأت تل أبيب إلى شركة Show Faith by Works التي يملكها المستشار الجمهوري والناشط الإنجيلي تشاد شنايتغر. بلغت ميزانية هذه الحملة أكثر من ثلاثة ملايين دولار وتهدف إلى "رفع الوعي المسيحي ضد الدعم الفلسطيني للإرهاب"، وفق التعبير الإسرائيلي.
وتكشف الوثائق أن الحملة تستخدم أدوات رقمية تُعرف باسم Geofencing، أي تحديد نطاقات جغرافية دقيقة حول الكنائس والكليات المسيحية في ولايات مثل كاليفورنيا وأريزونا ونيفادا وكولورادو، لتتبّع المشاركين في الصلوات واستهدافهم بالإعلانات الموجهة لاحقًا. ويُقدّر عدد الجمهور المستهدف بنحو اثني عشر مليون شخص بين رواد الكنائس والطلاب المسيحيين.
ورغم أن هذه الممارسات تمثل انتهاكًا واضحًا لخصوصية المواطنين الأمريكيين، فقد نفت وزارة الخارجية الإسرائيلية هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها "حملة تضليل منسقة ضد إسرائيل"، مدعية أن نشاطها اقتصر على "عرض مجسمات رقمية توثق فظائع السابع من أكتوبر"، في إشارة إلى العملية الفلسطينية التي فجّرت الحرب الحالية على غزة.
مشاهير هوليوود و"تجربة 7 أكتوبر"
تشمل مسودات الحملة قائمة بأسماء مشاهير محتملين للتعاون، بينهم الممثل كريس برات، والممثل جون فويت والد أنجلينا جولي، ولاعب كرة القدم تيم تيبو، ولاعب السلة ستيفن كاري.
وتشير الخطط إلى إعداد مواد تعليمية موجهة للقساوسة، إضافة إلى معرض متنقل بعنوان "تجربة 7 أكتوبر" يعتمد على تقنيات الواقع الافتراضي ويُعرض داخل الكنائس والجامعات الأمريكية، في محاولة لصياغة سردية عاطفية تبرر حرب إسرائيل على غزة.
توجيه الذكاء الاصطناعي لصالح الرواية الإسرائيلية
أحد البنود الأكثر إثارة في عقد Clock Tower X هو ما يُعرف بـ"عملية البحث واللغة"، وهي خطة تهدف إلى التأثير على نتائج محركات البحث ومنصات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT وClaude.
ووفقًا لتقرير "هآرتس"، تسعى إسرائيل عبر هذه العملية إلى تعديل المسارات اللغوية والنتائج الحوارية المتعلقة بها داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي، بحيث تعكس روايتها الرسمية وتُضعف السرد الفلسطيني. وتُعد هذه الخطوة أول محاولة معلنة من نوعها لدولة تسعى للتأثير بشكل مباشر على خوارزميات المحادثة الذكية عالميًا.
مشروع "إستير": المؤثرون في خدمة الاحتلال
في سياق متصل، كشفت الصحيفة أن إسرائيل وقّعت عقدًا آخر مع شركة Bridges Partners المملوكة لخبيري الاستشارات يائير ليفي وأوري شتاينبرغ، وهما مسؤولان سابقان في وزارة السياحة الإسرائيلية. بلغت قيمة العقد نحو مليون دولار تحت عنوان "مشروع إستير" (Esther Project)، ويهدف إلى تعزيز التبادل الثقافي عبر مؤثرين في شبكات التواصل.
يتضمن المشروع تشغيل ما يصل إلى 20 مؤثرًا لنشر 30 منشورًا شهريًا عبر "إنستغرام" و"تيك توك" و"يوتيوب" و"إكس"، مقابل أجور تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات. وتشير الوثائق إلى أن بعض المستفيدين عملوا سابقًا مع نتنياهو أو مع عائلات أسرى إسرائيليين.
ويحمل المشروع الاسم نفسه الذي استخدمه مركز Heritage Foundation المحافظ في واشنطن، ضمن ما يسمى "إستراتيجية وطنية لمحاربة معاداة السامية"، والتي وُجهت إليها انتقادات واسعة باعتبارها محاولة لتجريم النشاطات المؤيدة لفلسطين داخل الجامعات الأمريكية.
"غرفة حرب تكنولوجية" لمراقبة الخطاب العالمي
تكشف الصحيفة أن العقود الأخيرة ليست سوى جزء من إستراتيجية إسرائيلية أوسع لتوظيف الذكاء الاصطناعي في صناعة الدعاية.
فقد أُطلقت خطة داخلية تحت اسم Project Max ضمن هيئة "أصوات إسرائيل" التابعة لوزارة الشتات، وتهدف إلى "مكافحة نزع الشرعية عن إسرائيل" باستخدام تحليل البيانات الضخمة (Big Data) وأدوات مراقبة ونشر إلكترونية.
وتقترح الخطة إنشاء غرفة حرب تكنولوجية تجمع بين "مؤثرين بشريين" وبوتات ذكية مبرمجة لإنتاج محتوى مؤيد لإسرائيل ونشره بكثافة عبر المنصات الرقمية.
ورغم فشل تجارب سابقة لهذه البوتات التي نشرت أحيانًا محتوى معاديًا لإسرائيل عن طريق الخطأ، فإن تل أبيب تواصل المضي قدمًا في مشروعها الدعائي الرقمي بوصفه جبهة موازية للحرب العسكرية على غزة، ساعية إلى فرض روايتها عبر كل شاشة وكل خوارزمية.










