"لقد منحتموني تفويضا من أجل التغيير ومن أجل سياسة جديدة"، ليكسب الثقة أكثر بإعلانه أن "نتنياهو تسبب بإبادة جماعية في غزة وإذا دخل نيويورك سأطبق القانون الدولي وأنفذ مذكرة الاعتقال التي تلاحقه". مشددًا على التزامه بمحاربة معاداة السامية وبناء مدينة "تخدم جميع سكان نيويورك من خلال تعزيز التعاون بين مختلف مجتمعاتها".
إننا نحيا في عالم تعجز عن رؤية الأحداث وتتداخل فيه الانتماءات، ليكون فوز ممداني بمنصب أبرز ما بين منطقة الدولة وطريقة التفكير في الطائفية التي ما تسيطر على الكثير من النقاشات في منطقتنا، فبينما يُعد انتخابه حدثاً ديمقراطياً طبيعياً، لكن في بعض الوساطة العربية يتحول إلى جدل مذهبي، حيث طغى الحديث عن دينه ومذهبه على برنامجه الانتخابي، في مشهد يعكس أزمة فهم عميقة لطبيعة السياسة المعاصرة، التي تُعيد إنتاج نفس الوهم الذي رافق انتخاب باراك أوباما، ليوجهها عمدة مدينة نيويورك المنتخب، بأربع كلمات للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب: "ارفع صوتك"Turn the volume up ، متعهدا بـ"إطلاق جيل من التغيير" رافضًا سياسات الرئيس.. الذي خذل الأمة الأمريكية منذ سيطرته الشعبوية لكرسي البيت الأبيض: "إذا كان بإمكان أي شخص أن يُظهر لأمة خانها دونالد ترامب كيفية هزيمته، فهي المدينة التي أنجبته".
لعل التركيز على الهوية الدينية لممداني ليس سوى هروب من جوهر السياسة إلى هامش مَرَضي، يختزل الإنسان في انتماءات ما قبل الدولة. فظن البعض أن اسم والد أوباما "حسين" يعني انحيازاً لقضايا المسلمين، بينما الواقع أثبت أن أوباما – كأي مسؤول أمريكي – خدم مصالح بلاده وفقاً لمعادلات داخلية معقدة، لا علاقة لها بالدين أو العرق، رافضاً الاعتذار عن هويته،: "يُقال إنني لست الرجل المثالي. أنا شاب - رغم كل ما بذلته من جهد لأصبح أكبر سنًا. أنا مسلم. أنا اشتراكي ديمقراطي. والأهم من ذلك كله، أنني أرفض الاعتذار عن أيٍّ من هذا.. ومع ذلك، إذا كان لهذه الليلة درسٌ يُستفاد منه، فهو أن التقاليد أعاقتنا".، بينما في جانب آخر يُعلن ممداني، بدوره، أنه لم يُنتخب لأنه شيعي، بل لأنه قدّم برنامجاً واقعياً يمس حياة سكان نيويورك خدمياً وهو ما فشل فيه ترامب: (الإسكان الميسّر، حماية المستأجرين، توسيع الرعاية الصحية، دعم التعليم الحكومي، وتطوير النقل العام). هذه هي أدوات السياسة الحقيقية، لا الخلفية الدينية ولا الانتماء العائلي.
إن سياسة أو شعار كل جديد "أنا منكم وإليكم"، لم تجعل التجربة الأمريكية قائمة على مبدأ المواطنة الدستورية، حيث يُحاسب المسؤول على أدائه لا على مذهبه. فمن الرئيس كينيدي إلى مادلين أولبرايت، ومن هنري كيسنجر إلى روث غينسبيرغ، أثبت التاريخ السياسي الأمريكي أن الكفاءة هي معيار الصعود، لا الدين ولا الأصل.. رغم فوز ترمب على مبدأ الشعبوية لا الكفاءة، فالقاعدة واضحة: ولاؤك للدستور، وبرنامجك للمواطنين.
ولفهم فوز ممداني، لا بد من فهم نيويورك نفسها. لنجد تحولا كبيرا في المشاركة السياسية للمسلمين الأميركيين، ويعكس تنامي تأثيرهم في المؤسسات وصناعة القرار، هذه المدينة كانت لعقود مختبراً للتنوع والاندماج، حيث تعاقب على منصب العمدة أبناء مهاجرين من خلفيات دينية وعرقية متعددة، ولم يكن الدين يوماً معياراً للفوز، بل القدرة على تحسين حياة الناس. صندوق الاقتراع في نيويورك لا يقيس الطائفة، بل يقيس الأثر، كردود لفعل الطائفية التي ظهرت في بعض الأوساط بعد فوز ممداني تشبه أعراض "جنون البقر السياسي": هستيريا جماعية ترفض منطق الدولة، وتُصر على تحويل كل حدث إلى معركة مذهبية. التي تجاهل فيها هؤلاء أن 90 ألف متطوع دعموا حملته، وأن اليهود والمثليين صوتوا له، لأنهم رأوا فيه من يخدم مصالحهم، لا من ينتمي لمذهبهم.
هذا التفكير يحوّل المجتمعات من كيانات راكدة إلى مختبرات لتجارب الآخرين، وكأنه مثلث الصفر أو لعنه الهنود الحمر أصحاب الأرض المغتصبة، التي منعوها من بناء دولة وإدارتها بالعقل والكفاءة، لا بالشعارات الطائفية التي لا تثمر إلا التراجع والعجز.
إن الدولة الحديثة لا تُبنى على العصبيات، بل على الأداء. وكلما استمرّنا في تحويل الأحداث إلى سجالات طائفية، كلما ابتعدنا عن النهضة، واقتربنا من العجز، ليكون فوز ممداني في مدينة تعد أكبر تجمع لليهود بعد فلسطين المحتلة يشكل "زلزالا سياسيا يضرب الولايات المتحدة وإسرائيل"، ووصفوه بأنه هزيمة ساحقة للصهيونية ولترامب، ودليل على تغير جذري في توجهات الرأي العام الغربي تجاه قضايا العدالة والحقوق.







