أصدرت منظمة العفو الدولية موقفًا شديد اللهجة أكدت فيه أن الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال بحق سكان قطاع غزة لم تتوقف مطلقًا، رغم محاولات الترويج لغير ذلك في الخطاب السياسي والدبلوماسي العالمي. ودعت المنظمة المجتمع الدولي إلى عدم الانجرار خلف الروايات الرسمية التي توحي بوجود تهدئة أو تراجع في مستوى الجرائم، مؤكدة أن الحقائق الميدانية تشير إلى استمرار عمليات القتل والتدمير الجماعي بحق الفلسطينيين.
تحذير العفو الدولية لا يأتي في سياق تحليلي عابر، بل في إطار توثيقي يستند إلى مشاهدات ميدانية ومعطيات تتعلق بسلوك جيش الاحتلال، وبالظروف الإنسانية والمعيشية التي تُفرض على أكثر من مليوني إنسان في قطاع محاصر منذ سنوات ويواجه واحدة من أكثر حملات القتل اتساعًا في العصر الحديث.
ظروف معيشية ترقى إلى التدمير المادي
شدّدت المنظمة على أن الاحتلال لا يزال يفرض على الفلسطينيين ظروفًا حياتية قسرية تهدف إلى تدميرهم ماديًا وبشريًا، وهي إحدى المقومات القانونية لتعريف جريمة الإبادة وفق اتفاقية منع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948.
هذه الظروف لا تقتصر على القصف والقتل، بل تشمل: انعدام الأمن الغذائي والمياه الصالحة للشرب، وانهيار المنظومة الصحية بالكامل، ومنع المساعدات الإنسانية أو التحكم في وصولها، وتهجير السكان قسرًا وتحويلهم إلى كتل بشرية محاصرة داخل مساحات ضيقة.
هذه المؤشرات مجتمعة لا تترك — وفق العفو الدولية — مجالًا للشك بأن الهدف الاستراتيجي هو تفتيت المجتمع الفلسطيني واستهداف وجوده الإنساني والجسدي، وليس فقط تحقيق مكاسب عسكرية أو سياسية كما يدعي الاحتلال.
58% من غزة تحت السيطرة العسكرية
واحدة من أخطر النقاط في تقرير المنظمة هي تأكيدها أن الجيش الإسرائيلي ينتشر الآن في 58% من مساحة قطاع غزة، ما يعني أن الفلسطينيين يُحاصرون اليوم داخل أقل من نصف مساحة القطاع. هذه الأرقام تكشف بوضوح أن الاحتلال تجاوز مرحلة الهجوم العسكري إلى مرحلة السيطرة الجغرافية المستمرة، وأن أي حديث عن تخفيف العمليات أو تراجع مستوى الحرب مجرد خطاب تزييني لا يعكس حقيقة ما يجري على الأرض.
إن اكتمال السيطرة على هذه النسبة من القطاع يفتح الباب أمام: تغيير ديموغرافي ممنهج عبر تقليص مساحة العيش للفلسطينيين، وفرض واقع سياسي جديد يُجهض أي مشروع دولة فلسطينية مستقلة، وتحويل المناطق المكتظّة إلى مساحات موت وتجويع وبقاء بيولوجي فقط.
وبحسب العفو الدولية، فإن استمرار الاحتلال داخل هذه الرقعة الضخمة مؤشر واضح على غياب الإرادة الدولية لفرض وقف حقيقي للمجزرة.
العالم يشاهد.. والمأساة تتسع
يأتي بيان منظمة العفو الدولية ليعيد تعريف اللحظة الراهنة في غزة باعتبارها مرحلة مستمرة من الإبادة الجماعية وليست حدثًا عسكريًا عابرًا. ورغم عشرات القرارات الأممية والدعوات الحقوقية، فإن الواقع يشهد انكماشًا مستمرًا لمساحة الحياة الفلسطينية واتساعًا لنطاق الهيمنة الإسرائيلية الميدانية.
إن التحذير الدولي اليوم يحمل رسائل متعددة: إبادة غزة ليست في الماضي… بل في الحاضر المستمر، وأن الصمت العالمي يتحول إلى شراكة إنسانية وأخلاقية في الجريمة، وأنه ما لم يتحرك العالم بآليات فعلية لا بيانات، فإن ما تبقى من غزة مهدد بالزوال.
وفي ظل هذا المشهد، يصبح بيان العفو الدولية وثيقة إضافية في ملف قد يشكل أساسًا لمحاكمات مستقبلية أو لإعادة تعريف الموقف الدولي من الاحتلال إذا تغيرت موازين السياسة والنفوذ.










