20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

صدام مع الواقع الاجتماعي.. تشريعات جديدة لحماية طفولة مصر

تتصاعد في مصر حركة تشريعية لافتة تستهدف تشديد منظومة حماية الأطفال، بعد موجة وقائع تحرش واعتداء وجدل مجتمعي واسع.

بقلم: عمرو المصري
١ ديسمبر ٢٠٢٥
4 دقائق قراءة
10 مشاهدة
التحرش بالأطفال - أرشيفية

التحرش بالأطفال - أرشيفية

تتصاعد في مصر حركة تشريعية لافتة تستهدف تشديد منظومة حماية الأطفال، بعد موجة وقائع تحرش واعتداء وجدل مجتمعي واسع. ويأتي ذلك في ضوء القانون رقم 182 لسنة 2023 الذي صدَّق عليه الرئيس عبدالفتاح السيسي، والذي منح المجلس القومي للطفولة والأمومة صلاحيات موسعة لمراجعة التشريعات ذات الصلة بحقوق الطفل وقياس مدى توافقها مع المتغيرات الاجتماعية. وتشير الدكتورة سحر السنباطي، رئيس المجلس، إلى أن المجلس تقدّم بالفعل بحزمة مقترحات لتغليظ العقوبات، خاصة في جرائم التحرش والاغتصاب، باعتبارها تهديدًا مباشرًا لسلامة الطفل وأمنه.

هذا التوسع في الصلاحيات لا يعكس مجرد تحديث قانوني، بل يضع المجلس أمام مسؤولية أشمل في صياغة منظومة حماية وطنية حديثة، تقوم على المراجعة المستمرة للتشريعات وتقييم فعاليتها على أرض الواقع. فالتطورات المجتمعية، كما أكدت السنباطي، تفرض تعديلًا متكررًا للقوانين لضمان قدرتها على الردع والاستجابة للانحرافات السلوكية المتسارعة.

تغليظ العقوبة

توضح السنباطي أن العقوبات المطبقة حاليًا تشمل السجن المشدد، إلا أن مقترحات التعديل تتجه لرفع مستوى الردع إلى أقصاه، خصوصًا في جرائم الخطف والاعتداء باستخدام السلاح أو التهديد به، بحيث تصل العقوبة إلى الإعدام. وتشدد على أن حماية الطفل من العنف الجسدي أو النفسي تحتل رأس أولويات المجلس، وأنه لن يتهاون في اتخاذ أي إجراء يمنع تكرار الانتهاكات.

وشهد الاجتماع الأخير للمجلس القومي للطفولة والأمومة صدور توصيات موسعة تضمنت إعداد مشروع تعديل تشريعي يُحال إلى البرلمان، إلى جانب خطة لتأمين البيئة التعليمية بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم. كما تم تطوير «وحدة الطفل الآمن» لتقديم دعم نفسي متخصص، مع الإسراع في إصدار دليل معياري لحماية الطفل وتدريب العاملين معه داخل المؤسسات العامة والخاصة. هذه الإجراءات تُظهر تحوّل الحماية من رد فعل إلى سياسة مؤسساتية دائمة.

تحرك برلماني مواكب

يتوازي مع دور المجلس القومي موقف داعم داخل البرلمان، حيث أكد النائب محمد عبدالله زين الدين، أمين حزب مستقبل وطن بالبحيرة، أهمية التحركات الحكومية لتعديل التشريعات المرتبطة بجرائم التحرش بالأطفال. وأضاف أن النقاشات التشريعية تستند مباشرة إلى ما طرحه الرئيس السيسي حول خطورة الظاهرة وبعدها المجتمعي، مشيرًا إلى أن التعديلات المرتقبة تمثل خطوة جوهرية لضبط السلوك العام وتعزيز الردع القانوني.

ويشيد زين الدين باستجابة مؤسسات الدولة وبدء العمل فعليًا على مشروعات قوانين جديدة، مؤكدًا أن حماية الطفل ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل منظومة اجتماعية تشترك فيها الأسرة والمدرسة والجامعة ودور العبادة والإعلام. ويدعو جميع الجهات إلى إعداد خطة تنفيذية واضحة وسريعة، تقوم على مسارين متوازيين: تشديد العقوبات من جهة، والتوعية المجتمعية من جهة أخرى، باعتبار أن الوقاية لا تقل أهمية عن الردع.

ركيزة أمن قومي واجتماعي

المسار التشريعي الجاري يعكس إدراكًا رسميًا بأن التحرش والاعتداء على الأطفال ليسا مجرد جرائم فردية، بل خطر يهدد البنية الاجتماعية والأمن المجتمعي. الرئيس السيسي أكد في تعليق سابق أن مصر تمتلك رصيدًا كبيرًا من القوانين، لكن جوهر المشكلة يكمن في تنفيذها بحزم ودون استثناء. هذه الرؤية أعادت تسليط الضوء على مسؤولية الأسرة في الإبلاغ المبكر، ومسؤولية المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية في خلق وعي يحمي الطفل من الاستغلال والعنف.

وفي هذا السياق، توجه السنباطي نداءً مباشرًا إلى الأسر بعدم التستر على أي واقعة تخص الأطفال، وتشجع على التواصل مع خط نجدة الطفل 16000 أو عبر واتس آب 01102121600 للإبلاغ الفوري. إنها دعوة تكشف أن التشريع وحده لا يكفي، وأن المجتمع شريك إلزامي في الحماية.

مصر أمام منعطف تشريعي واجتماعي

يبدو المشهد اليوم جزءًا من مسار أوسع لإعادة بناء منظومة الحماية الوطنية، حيث تتقاطع الإرادة التنفيذية مع الدعم التشريعي، وتتحرك مؤسسات الدولة لإعادة تعريف جريمة التحرش بالأطفال بوصفها تهديدًا للأمن القومي لا مجرد مخالفة جنائية. 

وإذا نجحت التعديلات المرتقبة في فرض ردع فعلي، وأثمرت حملات التوعية مجتمعات أكثر يقظة، فإن مصر ستنتقل من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة الوقاية البنيوية، وهي الخطوة التي طال انتظارها لضمان أن يكون مستقبل الأطفال في هذا البلد محميًا لا مهددًا.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال