20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

الجريدة الرسمية تنشر والبنك المركزي يتراجع.. جدل عراقي بعد تصنيف حزب الله اللبناني "إرهابيا"

شهد العراق واحدة من أكثر الأزمات السياسية والإجرائية حساسية منذ سنوات، بعد نشر جريدة الوقائع الرسمية قراراً رسمياً صنّف حزب الله اللبناني وجماعة أنصار الله في اليمن، ضمن التنظيمات الإرهابية المشمولة بتجميد الأصول المالية.

بقلم: عمرو المصري
٤ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
9 مشاهدة
شعار حزب الله اللبناني - أرشيفية

شعار حزب الله اللبناني - أرشيفية

شهد العراق واحدة من أكثر الأزمات السياسية والإجرائية حساسية منذ سنوات، بعد نشر جريدة الوقائع العراقية قراراً رسمياً صنّف حزب الله اللبناني وجماعة أنصار الله في اليمن، ضمن التنظيمات الإرهابية المشمولة بتجميد الأصول المالية. 

القرار الذي صدر عن لجنة تجميد أموال الإرهابيين بالعدد الرسمي (4848)، حمل دلالات سياسية فورية، كونه يصدر عن جهة حكومية عليا يرأسها محافظ البنك المركزي وتشارك فيها وزارات ومؤسسات سيادية، من بينها الداخلية والخارجية والعدل وجهاز المخابرات.

ورغم خطورة محتوى القرار، فإن الحكومة العراقية التزمت الصمت لساعات طويلة، قبل أن يخرج البنك المركزي ببيان يناقض عملياً ما نُشر في الجريدة الرسمية، ويعلن أن القائمة "نُشرت قبل التنقيح" وأن إدراج كيانات لا ترتبط بتنظيمي داعش والقاعدة كان "خطأً فنياً" سيتم تصحيحه. 

أما لجنة تجميد الأموال نفسها فأكدت أن ما نشر قبل التنقيح "سيُرفع" من القائمة، في اعتراف مباشر بأن قراراً سيادياً بهذا الحجم صدر دون تدقيق نهائي.

 

هذا التراجع فتح الباب أمام تساؤلات صادمة حول مستوى الفوضى التشريعية والإدارية، وكيف يُنشر أخطر تصنيف أمني–مالي في البلاد قبل تدقيقه النهائي، في حين لا تصبح القرارات نافذة إلا بعد نشرها في الوقائع الرسمية.

ضغوط واشنطن الخفية

رغم محاولة البنك المركزي تصوير الأمر كخطأ تقني، فإن مصادر حكومية كشفت أن القرار يرتبط مباشرة بضغوط وزارة الخزانة الأمريكية. المستشار الحكومي الذي تحدث لموقع “العربي الجديد” بشرط عدم الكشف عن اسمه أكد أن "العراق ملزم بمجموعة إجراءات كي لا يتعرض لعقوبات مالية، خاصة ما يتعلق بالبنك المركزي وشركة سومو".

بمعنى آخر، فإن وضع حزب الله وانصار الله على القائمة—ولو مؤقتاً—لم يكن خطوة سيادية عراقية، بل استجابة لالتزامات أمريكية مفروضة في مرحلة شديدة الحساسية، حيث تخضع المصارف العراقية لرقابة معقدة من واشنطن على التحويلات الخارجية، ويواجه النظام المالي ضغوطاً تهدد استقرار السوق العراقية.

ويكشف هذا البعد أن "الخطأ الفني" كان في الحقيقة نتيجة تسرّع إداري لتنفيذ إملاء أمريكي، وربما محاولة لإرضاء واشنطن قبل استكمال الإجراءات الداخلية، مما أدى إلى نشر القرار قبل تنقيحه.

غضب الفصائل العراقية

أثار نشر القرار عاصفة غضب في أوساط القوى المرتبطة بـ"محور المقاومة". فقد وصف النائب مصطفى سند الأمر بأنه "عار" و"موقف مخزٍ"، قائلاً إن العراق أصبح يصنف أنصار الله وحزب الله إرهابيين بينما "يُرشّح ترامب لجائزة نوبل للسلام".

هذا الخطاب يعكس حساسية الملف داخل بنية الحكم العراقية، حيث ترتبط معظم الأحزاب المتنفذة بعلاقات مباشرة أو غير مباشرة مع حزب الله أو أنصار الله أو فصائل مشابهة. 

وبالتالي فإن نشر قرار يتهم هذه الأطراف بارتكاب "جريمة المشاركة في عمل إرهابي" بدا وكأنه انحياز رسمي علني للسردية الأمريكية، في حين تقوم واشنطن نفسها بحماية الإبادة الإسرائيلية في غزة وتضغط لشيطنة المقاومة في المنطقة.

مصادر سياسية قالت إن القرار "مرّ منذ شهر" وأن جهات رسمية بارزة—تتضمن المحكمة الاتحادية—اطلعت عليه، ما يؤشر إلى وجود إقرار ضمني داخل الدولة العراقية بضرورة التعامل مع شروط واشنطن المالية، حتى لو كان ذلك على حساب الحساسيات الإقليمية.

ارتباك بين اقتصاد وسياسة

يظهر الحدث بوضوح هشاشة الموازنة العراقية بين حاجتين متناقضتين:

1) تجنب غضب الولايات المتحدة التي تتحكم بالمفاصل المالية للعراق.
2) الحفاظ على توازن داخلي يحمي علاقة بغداد بمحور المقاومة، وخاصة حزب الله الذي يشكل رمزاً محورياً في الخطاب السياسي للعديد من القوى الحاكمة.

الإجراء، كما يؤكد المصدر الحكومي، كان مالياً أكثر منه سياسياً، لكنه تحوّل فور نشره إلى أزمة سياسية مكتملة الشروط. فالعراق، رغم اعتماده الكبير على واشنطن ماليا، لا يستطيع تحمل صدام سياسي مفتوح مع القوى الحليفة لطهران، ولا أن يظهر كمن يساوي المقاومة بتنظيمي داعش والقاعدة.

وبهذا، وجد العراق نفسه في فخ نادر: قرار "ملزم" لإرضاء واشنطن، ورد فعل داخلي غاضب، وتراجع عاجل من البنك المركزي لتفادي انفجار سياسي، دون أن تقدم الحكومة تفسيراً شفافاً يوضح كيف تسللت هذه الكيانات إلى القائمة قبل التنقيح.

صورة دولة تحت الضغط

تُظهر الأزمة أن العراق يعمل ضمن حقل ألغام، حيث:

تصطدم سيادته بالرقابة الأمريكية على النظام المالي.

تتشابك مؤسساته في قرارات تُنشر ثم تُسحب خلال ساعات.

وتتحول جريدة رسمية إلى مصدر لتسريب سياسي ضمن ضغوط خارجية.

الأخطر أن غياب تعليق رسمي من الحكومة حتى اللحظة يؤكد إدارة الأزمة بمنطق الاحتواء لا الشفافية، بينما تبقى الحقيقة الواضحة أن واشنطن تكثف ضغوطها على كل ما يمتّ لمحور المقاومة بصلة، من بغداد إلى بيروت وصنعاء، بهدف إعادة هيكلة المعادلات الإقليمية.

وتبقى النتيجة المباشرة لهذا التضارب هي أن العراق لم يعلن حزب الله تنظيماً إرهابياً، لكنه كشف حجم الهيمنة الأمريكية على قراراته المالية، وحجم الارتباك الداخلي عندما تتقاطع هذه الضغوط مع حساسيات الهوية السياسية للبلاد.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال