20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

إثيوبيا تهاجم القاهرة: لماذا الآن؟ وهل تشعر بالذعر من الوجود المصري بالقرن الأفريقي؟

شهدت الأزمة بين مصر وإثيوبيا منعطفًا جديدًا بعدما صعّدت أديس أبابا لهجتها عبر بيان شديد الحدّة أصدره مكتب المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية، اتهمت فيه القاهرة بـ"التشبث بالحقبة الاستعمارية".

بقلم: عمرو المصري
٤ ديسمبر ٢٠٢٥
9 دقائق قراءة
18 مشاهدة
الوجود المصري في القرن الأفريقي

الوجود المصري في القرن الأفريقي

شهدت الأزمة بين مصر وإثيوبيا منعطفًا جديدًا بعدما صعّدت أديس أبابا لهجتها عبر بيان شديد الحدّة أصدره مكتب المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية، اتهمت فيه القاهرة بـ"التشبث بالحقبة الاستعمارية" و"رفض الحوار" و"إشهار التهديدات المباشرة وغير المباشرة".

وركّز البيان على الادعاء بأن مصر متمسكة بمعاهدات قديمة و"حقوق تاريخية" لا أساس لها، معتبرًا أن القاهرة تتبع —وفق وصفه— سياسة تهدف إلى إبقاء دول القرن الإفريقي ضعيفة ومجزأة، مع اتهامات بوجود دور مصري في "زعزعة استقرار المنطقة".

ويتزامن هذا التصعيد مع استمرار الخلاف بشأن آلية تشغيل سد النهضة، إذ تتمسك مصر بحصتها التاريخية من مياه النيل وفق اتفاقيات 1959، بينما تؤكد إثيوبيا أن نهر أبّاي (النيل الأزرق) مورد طبيعي داخل حدودها يحق لها استخدامه وفق مبدأ "الاستعمال المنصف والمعقول" دون الرجوع لأي طرف.

خطاب إثيوبي يحمّل القاهرة المسؤولية

اعتبر المتحدث الإثيوبي أن مصر تمارس "فشلًا في القيادة والرؤية"، وأن تمسكها بالمطالب القديمة لم يخضع إثيوبيا "في أي مرحلة من التاريخ".

البيان قدّم سردية مستندة إلى فكرة أن 86% من مياه النيل تأتي من النيل الأزرق داخل إثيوبيا، وهو ما يمنح أديس أبابا —وفق رؤيتها— أحقية مطلقة في استغلال الموارد المائية.

كما اتهم القاهرة بإفشال الحوار المتعلق بإدارة مياه النيل، وبالتمسك بمطالب "احتكارية"، داعيًا مصر إلى "التعايش مع واقع التنمية الإثيوبية" بدلًا من الخطابات التصعيدية التي —حسب البيان— لا تفيد الاستقرار الإقليمي.

تفنيد قانوني للادعاءات الإثيوبية

قانونيون وخبراء مصريون اعتبروا البيان الإثيوبي محاولة "لقلب الحقائق" وغطاءً لضعف الموقف القانوني لأديس أبابا.

وقال الدكتور محمد محمود مهران، الأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية، إن اتهامات إثيوبيا تتناقض مع المادة العاشرة من إعلان المبادئ الموقع عام 2015، والتي تنص على التزام الأطراف بحل الخلافات عبر التوافق أو آليات متفق عليها.

وأشار مهران إلى أن إثيوبيا رفضت على مدار 15 عامًا كل المقترحات الخاصة بالالتزام القانوني الملزم، كما تجاهلت المادة الثالثة المتعلقة بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لمصر والسودان، مستشهدًا بالفيضانات الأخيرة في السودان التي اعتبرها نتيجة "التصريف الأحادي" من سد النهضة.

ازدواجية خطاب أديس أبابا

وفق خبراء القانون الدولي، يتناقض تصريح إثيوبيا حول "السيادة المطلقة" على مياه النيل مع اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 التي تلزم دول الأنهار الدولية بتجنّب الإضرار بالآخرين.

كما يؤكد المتخصصون أن وصف الحقوق المصرية بأنها "استعمارية" يتجاهل مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول الذي يراعي احتياجات السكان، في وقت يعتمد فيه أكثر من 115 مليون مصري على مياه النيل كمصدر شبه حصري للمياه.

ويرى مهران أن إثيوبيا تلجأ إلى الهجوم الخطابي لأنها تدرك هشاشة موقفها القانوني، وأنها تهدد الأمن والسلم الإقليميين بتصرفاتها الأحادية، مؤكدًا أن مصر تحتفظ بحق الدفاع عن أمنها المائي وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

ردود علمية على سردية أديس أبابا

الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية، وصف البيان الإثيوبي بأنه "ممتلئ بالمغالطات"، مشيرًا إلى أن الرقم الذي ساقته إثيوبيا بشأن مساهمة النيل الأزرق غير دقيق؛ إذ يبلغ إيراده السنوي 50 مليار متر مكعب فقط (نحو 60% من إجمالي مياه النيل عند أسوان).

وأضاف شراقي أن إثيوبيا تستخدم ملف السد لتعبئة سياسية داخلية، وتفتح الآن ملفات أخرى مثل السعي للحصول على منفذ بحري لإعادة إنتاج توتر إقليمي جديد.

كما شدد على أن الأنهار الدولية ليست ملكًا خاصًا لأي دولة، وأن استغلالها يخضع لقواعد أهمها الإخطار المسبق وعدم الإضرار، وهي قواعد —بحسبه— تتجاهلها إثيوبيا باستمرار.

اتفاقيات تاريخية ثابتة

يرى الخبراء أن تشكيك إثيوبيا في الاتفاقيات التاريخية يتعارض مع قواعد القانون الدولي، لأن فتح الباب لإسقاط الاتفاقيات القديمة قد يهدد استقرار معظم دول العالم.

ولمصر —وفق شراقي— ست اتفاقيات ثنائية مع إثيوبيا بين 1891 و2015 لا يجوز إلغاؤها من طرف واحد.

كما يؤكد الباحثون أن مصر لم تصدر أي تهديدات لإثيوبيا، وأن تحركاتها في القرن الإفريقي —بما فيها التعاون العسكري مع السودان والصومال وإريتريا— ليست موجهة لزعزعة أديس أبابا كما يدّعي بيان الخارجية الإثيوبية.

ما وراء التصعيد الأثيوبي

أكد د. وائل بركات، الباحث والمحلل السياسي، أن البيان الإثيوبي الأخير لم يكن مجرد كلمات غاضبة تُلقى في الهواء، بل كان انعكاساً واضحاً لحالة ارتباك داخلي تعيشها أديس أبابا مع اقتراب لحظة الحقيقة في ملف سد النهضة. فالتصعيد اللفظي الحاد، ووصف مسؤولي القاهرة بعقلية الماضي واحتكار المياه، ليس إلا محاولة لتصدير أزمة داخلية ممتدة، وتخفيف الضغط الشعبي الذي ازداد مع تفاقم التحديات الاقتصادية والسياسية في إثيوبيا خلال السنوات الأخيرة.

ولفت، في تحليل له نشره عبر حسابه على "فيسبوك، إلى أن الخطاب الإثيوبي جاء مُحمّلاً بتهم تاريخية، لكن المدهش أنه تجاهل تماماً حقيقة ثابتة: أن مصر لم تُلوّح بالقوة يوماً، ولم تُغلق باب التفاوض يوماً، ولم تتخذ خطوة واحدة خارج إطار القانون الدولي، بينما كانت أديس أبابا تمضي منفردة في سياسات الأمر الواقع، من دون اتفاق ملزم، ومن دون احترام لمبدأ عدم الإضرار، الذي يشكل أساس التعامل مع الأنهار الدولية المشتركة.

وأوضح "بركات" أن البيان تحدث عن “حقائق القرن الحادي والعشرين”، وكأن قواعد القانون الدولي تغيرت، أو كأن حقوق الشعوب في مياه حياتها يمكن إعادة تعريفها بتغيير الخطاب السياسي. فمصر، التي تعتمد على النيل بنسبة تفوق أي دولة أخرى على هذا النهر، لا تستطيع أن تُفرّط في أمنها المائي، لأن الماء هنا ليس مورداً اقتصادياً فحسب، بل عنصر وجود، يماثل في أهميته الطعام والدواء والطاقة.

ومع ذلك ظل الموقف المصري هادئاً، عقلانياً، ثابتاً، بلا انفعال. فالقاهرة تدرك أن استقرار إفريقيا لا يتحقق بالتصعيد، وأن الأمن القومي المصري لا يُدار بالشعارات، بل بالعمل الهادئ، والقنوات الدبلوماسية، وتحريك المؤسسات الدولية حين يلزم الأمر، وبناء شراكات إقليمية جديدة، وامتلاك القوة العسكرية التي تجعل صمت مصر في كثير من الأحيان كلاماً بليغاً يفهمه القريب والبعيد، وفقا لـ"بركات".

كما شدد االباحث المصري على أن الهجوم الإثيوبي على مصر جاء أيضاً في لحظة حساسة اقتصادياً. فإثيوبيا التي تواجه ضغوطاً مالية هائلة، وتراجعاً في احتياطاتها، واضطرابات داخلية متعددة، تحتاج إلى خلق حالة صدام خارجي لتوحيد الجبهة الداخلية. ولهذا بدا البيان مليئاً بكلمات عن “الهيمنة” و“التبعية” و“قهر إفريقيا”، وهي مفردات لم تعد تقنع أحداً، ولا تنتمي إلى لغة الدبلوماسية الحديثة، بقدر ما تنتمي إلى لغة التحريض الداخلي.

انعكاسات على القرن الإفريقي

التصعيد الإثيوبي الأخير لا ينفصل عن صراع النفوذ في القرن الإفريقي، حيث تسعى أديس أبابا لملء الفراغ السياسي والاقتصادي عبر توظيف ملف السد واستخدامه كورقة ضغط إقليمية.

أما مصر فتعتبر أمنها المائي خطًا أحمر، وترى أن رفض إثيوبيا لأي التزام قانوني يهدد الاستقرار الإقليمي بأكمله ويفتح الباب لتوترات ممتدة من النيل إلى البحر الأحمر.

وفيما يخص اتهام مصر بأنها دائما تهدد إثيوبيا، فقد أكد "شراقي" أن الاتهام غير صحيح حيث أن المسئولين فى مصر يتكلمون بدبلوماسية شديدة والتصريحات متزنة ولم تخرج عن حق مصر فى الدفاع عن مصالحها المائية وفقًا لما يكفله القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. فى المقابل توالت تصريحات إثيوبية غير مسئولة بالتهديد المباشر لرئيس الوزراء الاثيوبى فى ديسمبر 2019 حول امكانية تجنيد مليون شخص لحرب محتملة مع مصر، و تصريحات رئيس الأركان الإثيوبي فى مارس 2020، حول استعداد الجيش الإثيوبي للرد على أي هجوم عسكري يستهدف سد النهضة، وغيره من التصريحات المباشرة. 

وشدد "شراقي" على أن مصر تتعاون مع كثير من الدول العربية والأفريقية وتعقد معها البروتوكولات منها العسكرية وتم ذلك مع السودان والصومال وإرتريا وغيرها وليس مقصودًا بها تهديد إثيوبيا، بل الحفاظ على استقرار القرن الأفريقى حماية لمصالحها فى البحر الأحمر وقناة السويس.

بدوره، قال "بركات" إن التصعيد الأثيوبي لا يخدم الاستقرار في القرن الإفريقي، ولا يعزز فرص التنمية المشتركة، ولا يفسح المجال لأي مشروع تكاملي حقيقي. فعندما تُقرر دولة أن تتعامل مع نهر دولي وكأنه حديقة خاصة، وتتجاهل مصالح جيرانها، وتُقيم مشروعاً هائلاً من دون اتفاق ملزم يحمي الجميع، فإنها لا تُهدد بلداً واحداً، بل تفتح الباب لاضطرابات تمتد إلى الأمن المائي، والغذائي، والكهربائي، وحركة التجارة في المنطقة.

كما نوه إلى أن المجتمع الدولي يدرك أن مصر لا ترفض التنمية في إثيوبيا، بل تطالب فقط بأن يتم ذلك ضمن اتفاق عادل ومتوازن. ولهذا تتعامل العواصم الكبرى بحرص بالغ مع التصريحات الإثيوبية، لأن لغة التصعيد غير المفهوم لا تخدم أي استقرار، ولا تتوافق مع التزامات أديس أبابا السابقة، ولا مع ما تعهدت به في مسارات التفاوض المختلفة منذ إعلان المبادئ عام 2015.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال