21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

غزة تواجه الاختراق الأمني..من يقف خلف العصابات المدعومة إسرائيلياً؟

احتمالات المرحلة المقبلة

بقلم: محمد خميس
٧ ديسمبر ٢٠٢٥
6 دقائق قراءة
5 مشاهدة
غزة

غزة

محمد خميس

تشهد الساحة الداخلية في قطاع غزة تطورات أمنية متسارعة منذ بدء حملة "فتح باب التوبة" التي أعلنتها الجهات المختصة قبل أيام، بهدف معالجة ملف العصابات المسلحة المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي. 

ومع تزايد الضغوط الاجتماعية والعشائرية، وتنامي الوعي بخطورة الانخراط في أنشطة تهدد أمن المجتمع، بدأ المتورطون يطرقون أبواب الأمن طوعاً.

اليوم الأحد أعلن قيادي بارز في أمن المقاومة أن ثمانية أفراد من المنتسبين لتلك العصابات سلّموا أنفسهم خلال الساعات الماضية، مستفيدين من المهلة المحددة بعشرة أيام هذا التطور شكّل نقطة تحول في ملف كان يُعدّ واحداً من أكثر الملفات حساسية خلال الأشهر الماضية.

تسليم طوعي بدعم العائلات والعشائر

وقال القيادي في تصريح صحفي إن عملية التسليم جاءت "بشكل طوعي بالكامل"، موضحاً أن التواصل بدأ مباشرة من بعض العائلات التي فضّلت معالجة الأمر داخلياً قبل تفاقم العواقب، بالتزامن مع موقف واضح من العشائر التي رفعت الغطاء الاجتماعي عن المتورطين. هذا الموقف العشائري  وفق القيادي  لعب دوراً محورياً في تسهيل الإجراءات وضمان وصول المطلوبين إلى الجهات المختصة دون عراقيل.

وليس جديداً أن تلعب العائلات والعشائر دوراً فاعلاً في ضبط الأمن الداخلي في غزة، إلا أن تأكيد القيادي على حجم تأثير هذا الدور يشير إلى أن البيئة الاجتماعية باتت أكثر وعياً بخطورة الظواهر العابرة التي يستغلها الاحتلال لإحداث خلخلة داخلية.

باب التوبة مفتوح

وبحسب القيادي، فإن باب التوبة لا يزال مفتوحاً "أمام بقية المطلوبين خلال المدة المعلنة"، داعياً كل من تورّط في أعمال تهدد الأمن والسلم الأهلي لاستثمار الفرصة. وأكد أن "التسوية تجري وفق إجراءات واضحة ومعايير تراعي الظروف الاجتماعية لكل ملف، دون التهاون مع ما يمس أمن المجتمع".

ويشير هذا الخطاب إلى أن الجهات الأمنية في غزة تعتمد منهجاً يقوم على الاحتواء المشروط بحيث يتم استيعاب من يسلّم نفسه وتقييم وضعه وفق درجة تورطه، وهو نهج عُرف عن الأجهزة الأمنية في القطاع خلال السنوات الماضية، خصوصاً في التعامل مع القضايا التي تستغلها جهات خارجية.

دور الاحتلال في توجيه العصابات المسلحة

وترافقت هذه التطورات مع تصاعد الحديث عن تدخل مباشر من جيش الاحتلال الإسرائيلي لحماية العصابات المسلحة خلال اشتباكاتها الأخيرة مع فصائل المقاومة والأجهزة الأمنية في القطاع. وبحسب مصادر متعددة، فإن الاحتلال قدّم تغطية نارية في عدد من الحالات لتسهيل تحرك تلك العناصر أو مساعدتها على الفرار من ملاحقة الأجهزة الأمنية.

ويفسّر مراقبون هذه التدخلات بأنها تأكيد جديد على استخدام الاحتلال لهذه العصابات كأداة لإشاعة الفوضى وحالة "الفلتان الأمني" داخل غزة، وهو سيناريو يسعى الاحتلال إلى ترسيخه منذ سنوات عبر دعم مجموعات صغيرة تنفذ أنشطة تهدد السلم المجتمعي وتخلخل البنية الداخلية للمقاومة.

كما يرى محللون أن هذه العصابات لا ينتج عنها تهديد أمني مباشر فقط، بل تُستخدم أيضاً في الحرب النفسية التي يشنها الاحتلال في محاولة لزعزعة الثقة بين المقاومة والمجتمع المحلي، من خلال الإيحاء بوجود مساحات ضعف أمنية أو ثغرات يمكن النفاذ منها.

من هم أفراد العصابات المدعومة من الاحتلال؟

يرجّح مراقبون أن معظم المنتسبين لهذه العصابات هم من أصحاب السوابق الجنائية، الذين لديهم سجلّات في جرائم السرقة أو المخدرات، أو ممن سبق لهم الارتباط الأمني مع الاحتلال. 

ويشير هذا إلى أن الاحتلال لا يعتمد بالضرورة على أشخاص ذوي خلفيات سياسية، بل على فئات مهمشة يسهل استغلالها عبر الإغراءات المالية أو الوعود بالحماية.

وكانت الأجهزة الأمنية في غزة قد أعلنت في وقت سابق أنها تمتلك "ملفاً كاملاً" يحدد طبيعة هذه المجموعات، وعلاقاتها، ومصادر تمويلها، وآليات تشغيلها، بما في ذلك طرق التواصل مع الاحتلال عبر وسطاء أو نقاط اتصال محددة.

تأتي هذه التطورات في ظل واقع أمني بالغ التعقيد، إذ يواجه قطاع غزة منذ سنوات ضغوطاً متزايدة بفعل الحصار الإسرائيلي، إلى جانب محاولات الاحتلال المستمرة لاختراق الجبهة الداخلية. ومع ذلك، حافظت الأجهزة الأمنية على مستوى عالٍ من السيطرة، ومنعت في أكثر من مناسبة تحول محاولات الفوضى إلى أزمة حقيقية.

ويشير خبراء إلى أن إعلان "باب التوبة" يعكس ثقة الأجهزة الأمنية في قدرتها على معالجة الملف من دون تصعيد داخلي، إضافة إلى نجاحها في توجيه رسائل واضحة للمجتمع بأن الاستقرار مسؤولية مشتركة بين الأسرة والعشيرة والمؤسسة الرسمية.

رسائل مزدوجة: للجمهور وللاحتلال

ويعتبر مراقبون أن إعلان تسليم ثمانية مطلوبين يحمل رسالتين أساسيتين منها رسالة إلى الجمهور الفلسطيني بأن الأمن الداخلي خط أحمر، وأنه لا يمكن السماح لأي جهة خارجة عن القانون  مهما كانت دوافعها  بالإضرار بالسلم المجتمعي. ويفسّر الكثيرون استجابة العائلات لهذا النداء بأنها مؤشر على ارتفاع الوعي المجتمعي و رسالة إلى الاحتلال الإسرائيلي بأن محاولاته لاختراق الجبهة الداخلية عبر العصابات المدعومة لن تنجح، وأن البنية الأمنية والاجتماعية في غزة لا تزال متماسكة رغم كل الضغوط والحروب.

الأبعاد الاجتماعية للتسليم الطوعي

من زاوية اجتماعية، يعتقد مختصون أن رفع الغطاء العشائري كان من أقوى العوامل التي دفعت المتورطين لتسليم أنفسهم. فالعشائر في غزة تمثل جزءاً أصيلاً من المنظومة الاجتماعية، وأي قرار منها يعني تغيّراً في الثقافة الجمعية التي تمنح الغطاء أو تحجبه، بما ينعكس مباشرة على سلوك الأفراد.

ويشير هؤلاء إلى أن هذا التحول قد يشجّع المزيد من المتورطين على اتخاذ الخطوة نفسها خلال الأيام المقبلة، خصوصاً أن بعضهم بات يشعر بأن وجوده خارج الإطار القانوني يجعله عرضة للاستغلال من الاحتلال أو الابتزاز من قبل المجموعات الإجرامية.

احتمالات المرحلة المقبلة

بحسب تقديرات أمنية، من المتوقع أن تشهد الأيام المتبقية من فترة "التوبة" زيادة في أعداد المتورطين الذين قد يسلّمون أنفسهم، خاصة بعد الإعلان عن نجاح أول دفعة. كما تعمل الجهات المختصة على إعداد خطة لإعادة دمج من لم تتورط أيديهم بجرائم خطيرة، وإحالة أصحاب الملفات الثقيلة إلى القضاء المختص.

ويعتقد مراقبون أن نجاح هذه الحملة سيعزز مناعة الجبهة الداخلية في غزة، ويحدّ من قدرة الاحتلال على استثمار أي ثغرة اجتماعية أو اقتصادية لصالح أجندته الأمنية.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال